الثقافة هي المكون الرئيس لمزاج أي شعب، يستمد منها تصوراته للعالم وبواعثه على السلوك، وتظهر سماتها في الأفراد وفي الشعوب على حد سواء، في الوعي الفردي والوعي الاجتماعي والتاريخي، والمثقف في جميع الأحوال لا ينطلق من فراغ، إنما يبني على ما سبق واضعاً بصمته ومضيفاً رؤيته عن موضوع معين.
ويعدّ إدوارد سعيد مثالاً للمثقف الواعي الذي يحمل أعباء النهوض بثقافة مجتمعه ووطنه، فقد كان من الأسهل بالنسبة إليه أن ينحصر بدوره الأكاديمي كأستاذ مرموق للأدب في جامعات الغرب، وأن يكتفي بالوجاهة العلمية وبما يوفره له وضعه الأكاديمي من ميزات، لكنه آثر الالتصاق بهويته الحقيقية، كما آثر أن يوظّف وضعه ومكانته العلمية ومقدراته البحثية في سبيل الدفاع عن الحق الفلسطيني وفضح ادعاءات وتزوير مغتصبي أرضه.
تساعدنا كتابات إدوارد سعيد والمنهج النقدي والتتبعي الذي استخدمه بالاستناد إلى فوكو وغرامشي وغيرهما، على إعادة التفكير في المرحلة الاستعمارية بعدِّها مرحلة لم تنتهِ، إلا بعد أن ساهمت في وضع التصورات الذهنية التي سنخضع لها في دول ما بعد الاستعمار!
فالاستقلال في كثير من دول المنطقة العربية قد تم من الناحية النظرية، لكنها في الواقع لا تزال مقيدة ضمن أطر التصورات والتعريفات التي صاغها المستعمر لها ولهويتها.. ومن الاستشهادات المثيرة في هذا النطاق ما ذكره سعيد نقلاً عن اللورد كرومر والإحالة لشخصية مثل كرومر لم تكن عبثية، فكرومر لم يكن مجرد إداري مهم، بقدر ما كان جزءاً من مشروع سياسي غربي يعدُّ الاستشراق ذراعه الثقافية.. لعب كرومر أدواراً متباينة في الشرق وكتب «حكم الأعراق الخاضعة» وهي المقالة التي سيحاول فيها أن يوضح كيف في إمكان بريطانيا أن تسيطر على مستعمرات كبيرة وشاسعة ومترامية الأطراف، وقد كانت المقالة وصاحبها محط نظر سعيد.
ولو كان سعيد مثقفاً عابراً لما كنا لنذكره اليوم، إلا ربما في إطار أكاديمي ضيق، لكن توسيع مجالات عمله وربطه بشكل غير متكلف بين السياسة والثقافة والعلوم الاجتماعية قد أكسب اسمه أهمية من نوع خاص وتألقاً، ولاسيما أنّنا بأم العين أن ما حذرنا منه سعيد في الأمس من مشاريع استعمار ثقافية وهيمنة عالمية بلبوس الاستشراق على ثقافات الشعوب بات واضحاً في خطاب بعض من يدعون الثقافة.

::طباعة::