تاريخ الحضارات أن فناء الأمم وسقوطها لم يكن بسبب الإبادة الجسدية للشعوب إنما بسبب نفوق لغاتهم وانقراضها.. وقد اعتنى الإسلام بسلامة اللغة من جميع الجوانب, من طرائق استخدامها إلى طرائق نطقها «فقد سمع الرسول (ص) أحدهم يلحن في كلامه فعدّ اللحن ضلالاً وقال: «ارشدوا أخاكم فقد ضل». كما شدد الصحابة -رضي الله عنهم- من بعده على صيانة اللسان وتطويره, وذلك لكيلا يشكل التناقض اللغوي الذي تشهده حياتنا اليومية مصدراً للتناقض الاجتماعي. ما من شك في أن انحدار مستوى اللغة العربية على ألسنة كثير من المتكلمين بها لا يرجع إلى مزاحمة الأجنبيات أو العاميات فحسب, ولكنه يرجع إلى أن تذوق – اللغة – لم يعد الأساس الأول الذي يعتمد عليه الدارسون في تقديم النصوص لقرائهم, وها هنا يجب أن تثار قضية حب اللغة لرد الاعتبار لتلك العاطفة الوجدانية بين الأمة ولغتها لكيلا يشعر أبناء العربية والإسلام بشيء من الغربة عند قراءتهم هذا القرآن الذي اصطفاه الله سبحانه بالعربية. أما في مغالبة هذه اللغة لسواها من اللغات, فإن تفوق إحدى اللغتين المتصارعتين في خصائصها الذاتية على الأخرى عامل مهم من عوامل تغلبها في الصراع اللغوي, فصراع اللغات أشبه بصراع الأفراد تنتصر فيه اللغة المتميزة لا في غزارة مفرداتها ودقة قواعدها فحسب إنما في امتلاكها قدرة الإبانة في مختلف نواحي التفكير والوجدان ولاسيما فيما يتصل بأسئلة الوجود ونظام القيم. ومن هنا يحسن بنا التأكيد على دور اللغة العربية في حوار الحضارات والأديان إلا أنه في الوقت الذي أصبحت فيه أهمية الترجمة العلمية والأدبية والدينية تتعاظم اليوم أكثر من أي وقت مضى نتيجة الانفجار المعرفي الكبير والتقدم التكنولوجي الهائل في جميع مجالات الحياة تعاني حركة التعريب والترجمة في البلاد العربية تعثراً كبيراً وهذا عكس ما يفرضه منطق العقل الذي يحتم أن تولى الترجمة أولوية خاصة في العالم العربي لكونه متلقياً للمعرفة العلمية أكثر منه منتجاً لها: «وللتدليل على تخلف الترجمة في ثقافتنا يكفي أن نشير إلى أن الوطن العربي البالغ تعداد سكانه 350 مليون نسمة إحصائية عام 1992 قد أصدرت 6795 مطبوعة تأليفاً وترجمة, بينما إسبانيا مثلاً البالغ تعداد سكانها 39 مليون نسمة أصدرت في العام ذاته 41816 مطبوعة, كما أن عدد العناوين المترجمة في كل أقطار الوطن العربي منذ ما بعد الخليفة العباسي المأمون وحتى عقد التسعينيات من القرن العشرين المنصرم لا يصل إلى 15 ألف عنوان وهذا لا يساوي ما ترجمته دولة البرازيل في أربع سنوات». وتلك واحدة من محن اللغة العربية في راهن معتقلاتها من فواضح الجهل والأمية التي تفتك بسلامة اللغة وسلامة الحوار .

::طباعة::