من المعروف أن العلوم والفنون في عصر سيبويه لم تكن قد تحددت بعد أو دخلت في دور التصنيف والتقسيم وإنما كانت متداخلة وبالتالي إن سيبويه في إدراكه لتداخلها قد اهتدى إلى ربط النحو بالمعاني وهنا من المهم التأكيد أنه لا يحق لمنصف أن يتنكر لجهوده التي قدمها لخدمة البلاغة العربية بدعوى أنه لم يذكر لها مصطلحات لأنه كان حجر الأساس في بناء البلاغة العربية بما ذكره من موضوعات تدخل في علم المعاني كالتقديم والتأخير والاستفهام كما لم يفته أن يتناول أسرار التراكيب وتأليف الكلمات وصوغ العبارات وإبراز الفرق بين تعبير وآخر وأن اهتمامه لم يكن قاصراً على أواخر الكلمات وبيان إعرابها وبنائها لأنه تجاوز ذلك إلى نظم الجملة والجمل ويعد كتابه من أقدم كتب النحو التي حملت في صفحاتها كثيراً من أساليب التعبير وفنون القول ويعد مصدراً مهماً في دراسة البلاغة لأنه وضع البذور التي أثمرت فيما بعد قواعد وأصول على أنه يأتي بعد كتابه كتاب قواعد الشعر لأبي العباس المعروف بثعلب الذي كان الخطوة الأولى لجهد ابن المعتز في البلاغة.

وبحسب الدكتور أحمد مطلوب فإنه نتيجة لسيطرة النزعة الجدلية على مفتاح العلوم وغلبة النظرة العقلية والمنطقية عليه أدخل السكاكي كثيراً من مصطلحات المنطق والفلسفة ومما أشار إليه مطلوب هو أن مصطلحات البلاغة عربية غير منقولة عن اليونان لأنها في أول نشأتها كانت دلالتها لغوية ليس فيها التحديد والحصر المنطقي وهذا ما يمكن لمسه في كتب الفراء وأبي عبيدة والجاحظ وابن قتيبة وثعلب وابن المعتز كما أن كتابي الخطابة والشعر لأرسطو لم يكونا مترجمين إلى العربية بعد وبالتالي إن المصطلحات البلاغية بحسب مطلوب لم تنقل عن اليونان لأن كتابي أرسطو لم يترجما إلى العربية إلا في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع وما جاء فيها من مصطلحات كانت من وضع المترجمين العرب إذ رأوا في كتابي الخطابة والشعر كلاماً يشبه كلام العرب في البلاغة فاستعاروا ما ذكره البلاغيون العرب وثبتوه في الترجمات العربية غير أنه كان للتراث اليوناني أثر في منهج البلاغة العربية إذ استعان عدد من المؤلفين بالمقاييس اليونانية في التأليف فكانت هناك كتب تجمع بين المقاييس اليونانية والعربية مثل كتابي نقد الشعر ونقد النثر وكتب البلاغة المتأخرة وبالتالي يمكن بحسب مطلوب القول إن السكاكي وضع مصطلحات البلاغة الوضع الأخير كما وضع مباحثها وصاغها الصياغة الأخيرة.

 

طباعة
عدد القراءات: 1