دراسات وأعمال فنّية أوروبّية عديدة تناولت من الحرب العالمية الثانية وجهها المتعلّق بسرقة التراث الفنّي التشكيلي، والثقافي، والآثار والنصب الكبرى التي ادّعى الأوروبيون أنّهم أنقذوها من براثن النازيّة التي سعت بكل ما أوتيت من توحّش ودأب مذهل إلى الاستيلاء عليها، وتخبئتها في أعماق المتاهات المتشكلة من المناجم الألمانية. وكان البارز في أفق التوقّع أن تنجح المساعي البطولية المزعومة لمنقذي التراث الجمالي، والوسيلة المعتمدة هي معالجة العنف الألماني بالعنف المضادّ الذي جعل أعداء ألمانيا يتكرّمون على الإنسانية بإنقاذ ما أنقذوه من تلك الأعمال الجمالية الخالدة. هناك أفلام أوروبية (ضخمة) لم تنسب إلى منقذي الجمال أيّ خبرة خاصّة في هذا المجال الدقيق، بل وضعت أعمالهم في سياق الأعمال البطولية المنسوبة إلى مقاومي الاحتلال النازي. والجانب التخييلي عنصر أساس في مجمل الأعمال ذات الطابع الفنّي، بما في ذلك الفيلم السينمائي الذي يقتات على التخييل أكثر من بقية الأجناس الفنية الأخرى، بوصفه فنّاً يقوم أساساً على مبدأ الإيهام. وبين التخييل والإيهام ما يشبه التماهي, ولذلك لا يجوز البحث في هذه الأفلام عن (الحقائق التاريخية، والمصداقية، ودقّة التوثيق) لأنها أعمال تخييلية تتناسب قيمتها مع قدرتها على الإقناع الفنّي تناسباً طرديّاً. والسينما الهوليودية أدلت بدلوها في هذا السبيل المثير للاهتمام، فأنتجت أفلاماً عديدة تصوّر بطولات الأمريكان ودورهم الحاسم في كسب الحرب ضد النازيّة، جاعلةً انخراط الولايات المتحدة في الحرب عاملاً وحيداً في هزيمة النازية والفاشيّة. ومن غير الجائز أن يتنحّى الأمريكيون عن دورهم (النبيل) في إنقاذ التراث الجمالي للبشرية، فأنتجت هوليود فيلماً عنوانه (رجال النُصُب) يقوم ببطولته مجموعة من ألمع نجوم هوليود، وفيه يتصدّى خبراء فنّيون في مختلف الاختصاصات الجمالية للبحث عما أخفاه النازيون من كنوز جمالية في سبيل إنقاذها، ونقلها إلى أمريكا، عبر بريطانيا حصراً, ومناقشة الفيلم تفيض عن حجم المادّة، لذلك يحسن إبراز بعض النقاط التي يتصدّرها أنّ أولئك الخبراء الجماليين الأمريكيين يتقنون فنّ القتل ومختلف فنون الإبادة الجماعية أكثر مما يتقنون أي أمر آخر. ومنها أن بريطانيا يمكن أن تكون موئلاً للأعمال المسروقة بشكل شرعي وبطولي في حال فشل إتمام نقلها إلى أمريكا. والأخطر أنّ الفيلم يعرض وجود سيّدة ألمانية مثقّفة جدّاً تعرب عن انتشائها، ومتعتها القصوى الناجمة عن معرفتها بأن الأعمال التي سرقتها ألمانيا، تسرقها الآن الولايات المتحدّة، وأن هذه السيدة استطاعت أن تقدّم إسهاماً (متواضعاً) في خدمة أمريكا التي أنقذت الألمان، والبشرية بوساطة الإبادة المعتمدة أمريكياً في كل مكان.

::طباعة::