أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو يوم 24/9 نية بلاده تزويد الجمهورية العربية السورية بمنظومة صواريخ الدفاع الجوي المتطورة من طراز «إس– 300»، وهو الإعلان الذي عدّه البعض مفاجأة صاعقة لـ«إسرائيل»، فقد رفض وفدها الذي زار موسكو تقديم اعتذار رسمي عن سلوك طياريها الذي أدى إلى إسقاط طائرة نقل روسية واستشهاد 15 عسكرياً روسياً.
على الجانب العربي قوبل القرار بفرح عارم في الأوساط المؤيدة للدولة السورية، التي عدته استجابة لنداءاتها المطالبة بموقف روسي حازم ضد الاستفزازات الصهيونية، بل إن بعض المعلقين والصحفيين وصلوا إلى درجة لوم روسيا، بين الموقفين حافظت الدولة السورية- كعادتها– على الهدوء وعدم الانفعال، حتى بعد الإعلان عن النية الروسية وما لقيه القرار من دعم في أوساط الكرملين.
معظم المعلقين وجّهوا اللوم لـ«إسرائيل» لموقفها العنيد في قضية الطائرة، أو عدّوا القرار رداً مناسباً على الصلف الإسرائيلي، لكن السؤال الذي يستحق البحث عن إجابة له هو: هل تتخذ دولة كبرى قراراتها بناء على لحظة انفعال؟ ولماذا لم تتخذ مثل هذا القرار من قبل، علماً بأنها خسرت منذ بداية مشاركتها في الحرب على الإرهاب 12 طائرة مختلفة الطراز، إضافة إلى 72 شهيداً من القوات الجوية؟
لا يحتاج طول نفس روسيا، وحكمة سياستها الخارجية إثباتاً، فقد أثبتت ذلك في أكثر من أزمة، سواء في جورجيا أو أوكرانيا أو حتى في سورية، عندما قامت تركيا بإسقاط الطائرة الروسية. لذلك إذا دققنا النظر فسنجد أن روسيا حاولت في مرتين تقديم منظومة «إس– 300» لسورية، الأولى عام 2013، والثانية بعد العدوان الثلاثي الأمريكي– البريطاني– الفرنسي، وفي الحالتين لم يسمح الظرف السياسي العالمي بإتمام العملية، بل إن التاريخ يقول إن القائد المؤسس حافظ الأسد كان قد طلب تزويد سورية بهذه المنظومة الصاروخية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، الظرف الدولي لا علاقة له بـ «إسرائيل» كما يتوهم بعض العرب الذين صنعوا منها وهماً أسطورياً «لا تمكن هزيمته»، ففي لحظة استعراض القوة، ظهرت مدى هشاشة القوة الإسرائيلية وهي تراقب الطيران الروسي يحلّق في المجال الجوي الفلسطيني من دون أن تجرؤ حتى على تشغيل راداراتها.
الاعتبارات الروسية إذاً، تتعلق بمعطيات وتفاهمات دولية خرقتها الأطراف الغربية في أكثر من مناسبة، من تنفيذ الاغتيالات بحق حلفاء روسيا في شبه جزيرة القرم وأبخازيا، مروراً بالمشاركة الفرنسية في العدوان على اللاذقية، حتى الهجوم الإرهابي في الأهواز الإيرانية، وتبني السعودية والإمارات للهجوم في ترجمة لتهديد ولي عهد السعودية بنقل المعركة إلى الداخل الإيراني، لكل هذا كان لا بد لروسيا من الانتقال من «لعبة» استعراض القوة، إلى «لعبة» القوة، وهذا لا يكون إلا بتدعيم القوة العسكرية للحلف الذي يخوض المعركة على الأرض ويحقق الانتصارات المطلوبة، فالمنظومة الصاروخية بعد نصبها، لن تشكل تهديداً لطيران العدو الإسرائيلي فحسب، ولكنها تهديد للمخطط الأمريكي– الأطلسي بالتدخل المباشر «لفرض شروطهم» على التسوية النهائية.
على جانبنا، جاء القرار ليكرس الدور الاستراتيجي لسورية في العالم الجديد، فمنذ أن سرق الاستعمار ثورة العرب الكبرى وحولها بمساعدة عملائه إلى مشروع تقسيمي، والوطن العربي ضحية لاستراتيجيات الآخرين والأعداء بالتحديد. وعاث الاستعمار وعملاؤه بمصير الأمة ومقدراتها فساداً، وقام بكل ما يحتاجه إفشال وإجهاض المشروع التحرري العربي، منذ مقررات مؤتمر سان ريمو وحتى «ربيع» الصهاينة الذي سموه زوراً «الربيع العربي».
لم تكن الحرب على سورية جزءاً من «الربيع» المزعوم، وإن ادّعى الارهابيون ذلك، لكن وجود سورية بموقفها العروبي المناهض للمشاريع الإمبريالية والصهيونية كان العقبة الوحيدة التي تمنع ذاك
«الربيع» من تحقيق أهدافه، لقد أدركت الدولة السورية منذ اللحظة الأولى أن شعارات الحرية والديمقراطية التي حاول الإرهابيون ومن يدعمهم الاختباء وراءها، لم تكن إلا ذرا للرماد في العيون، وأن المطلوب هو «إسقاط» الدولة السورية، وفتح الطريق أمام عملاء الرأسمالية للمساعدة في تحقيق أهداف المؤامرة المسماة «الربيع العربي»، من حل أزمة الكيان الصهيوني، إلى انتشال الرأسمالية من عواقب الأزمة المالية، وخلق «ستار حديدي» في وجه تنامي القوتين الاقتصادية والعسكرية للصين وروسيا، والحد من تصاعد التأثير الإقليمي لإيران.
هذا الوعي الاستراتيجي الذي امتلكته القيادة السورية، كان وراء الصمود الأسطوري الذي أبدته عندما خانها القريب والبعيد، وبقيت تحارب وحيدة مدة عامين، بعد أن استوعب الجيش العربي السوري المرحلة الأولى من العدوان، وبدأ بشن الهجوم المعاكس، كان الحلفاء الذين وقفت الدولة السورية إلى جانبهم في الماضي، عونا لها في المرحلة الثانية، وبدأ الجيش العربي السوري بالتقدم واستعادة الأرض، ما أربك حسابات القوى الإمبريالية، وأدخلها في أزمات أسقطت زعامات وأفشلت مخططات، في هذه اللحظة، وبالتحديد في أيلول 2015 وجدت روسيا أن الانتقال من الدعم السياسي والدبلوماسي لسورية، إلى الدعم العسكري المباشر والمشاركة في الحلف القائم على الأرض بين سورية وإيران وقوى المقاومة، سيحقق لها العودة القوية إلى ساحة الفعل الدولي، فكانت المشاركة الروسية إيذاناً ببدء المرحلة الثالثة من المعركة، وهي مرحلة الخيارات الاستراتيجية.
استطاع هذا التحالف تحقيق الانتصارات على جميع الجبهات، وتعمق وتجذر وأصبح ضرورة استراتيجية لجميع أطرافه. لذلك فإن حضور صواريخ إس- 300، لم يكن سوى مسألة وقت، لكن ما سيحمي سماء سورية، هو طبيعة هذا التحالف وانتصاراته التي جعلت الجميع يحسب حسابه ويأخذ مصالحه بالحسبان.
وهكذا وللمرة الأولى منذ مئة عام، يجد المشروع الوطني التحرري العربي نفسه في حلف استراتيجي على قاعدة الندية والمصالح المشتركة، وليس التبعية والتذيل، وها هو «الربيع العربي»، الذي أراد مخططوه ومنفذوه أن يكون الضربة القاضية لآمال الأمة، يتحول يوما بعد يوم إلى نقطة انطلاق لمشروع تحرر وطني عربي حقيقي يشير سهمه نحو المستقبل.

*كاتب من الأردن

::طباعة::