على مدار السبع سنوات الماضية شارك عدد ملحوظ من ألبان كوسوفو ضمن المجموعات السلفية الجهادية التي خاضت معارك في كل من سورية والعراق, ومن أبرز قادة تنظيم «داعش» أبو عبد الله الكوسوفي، واسمه الحقيقي لافدريم موهسكري، وهو من كوسوفو، وعمل قائداً ميدانياً بارزاً, وقد انضم أبناء كوسوفو المقاتلون إلى تنظيمات انبثقت من القاعدة كـ «جبهة النصرة» أو تطورت عنها كـ «داعش»، ولعبت تركيا بوابة العبور لهؤلاء المقاتلين، كما أسهمت في تنظيمهم.
وكانت وكالة «أسوشييتد برس» الأمريكية قد نشرت في أوائل أيار 2012، ما يفيد بأن وفداً مما يسمى «المعارضين» السوريين يزور كوسوفو للاستفادة من خبرة «جيش تحرير كوسوفو» بغرض مواجهة الدولة السورية. وكان من ضمن أعضاء الوفد «عمار عبدالحميد»، وهو سوري المولد يعيش في الولايات المتحدة، ومر في مراحل تطرف وتسلّف ديني، وكان ينوي خلال تلك المراحل السفر لـ «الجهاد» في أفغانستان، ثم صار مقرباً من المؤسسات البحثية الغربية كمركز بروكنغز (المرتبط بقطر) وحرّض الكونغرس الأمريكي ضد دمشق في 2006/2008، وهو من دعاة التدخل الغربي في سورية.
ونقلت الوكالة الأمريكية حينها عن عمار عبد الحميد قوله: جئنا إلى هنا لنتعلم، فكوسوفو مرت بالظروف ذاتها ولديها خبرة كبيرة ستفيدنا كثيراً، مضيفاً: نريد أن نعرف على وجه التحديد كيف تم تنظيم الجماعات المسلحة المتفرقة في إطار جيش واحد هو جيش تحرير كوسوفو.
وكانت وسائل إعلام روسية نقلت عن مصادر رسمية قد أشارت في السنوات الأولى من الحرب في سورية إلى وجود معسكر على الحدود الألبانية-الكوسوفية لاستقبال المقاتلين السوريين لتدريبهم، مشيرة إلى أن المعسكر سبق أن أسسته الولايات المتحدة في الماضي لمساعدة جيش تحرير كوسوفو على تدريب عناصره، وهناك يتم حشد المقاتلين الألبان أو غيرهم وتوجيههم نحو سورية.
وكانت شبكة فولتير التي يديرها الصحفي الفرنسي «تيري ميسان» قد نشرت في 5 كانون الأول 2012 ما يفيد بأن إرهابيين يقاتلون اليوم ضد الجيش العربي السوري قد تلقوا تدريبات على يد جيش تحرير كوسوفو، في كوسوفو.
في الحقيقة تتقاطع بدرجة ما تجربة ما يسمى «جيش تحرير كوسوفو» مع تجربة العصابات السلفية الجهادية كلها، وخاصة التنظيمات الأفغانية التي أصبحت لاحقاً تنظيم «القاعدة»، فمثلما قامت الـ «سي آي إيه»، بالتضافر مع أجهزة المخابرات الخليجية، بتجنيد الأصوليين وتسليحهم وإرسالهم إلى أفغانستان لمقاتلة النظام الأفغاني وداعميه السوفييت، قامت بدعم «جيش تحرير كوسوفو» الذي تشكل في 1991، ثم أعلن عن نفسه في 1995، وتسلح بشكل متطور أدى إلى اندلاع الحرب في 1997.
وهذا «الجيش» هو عبارة عن مجموعات مقاتلة خاضت حرباً في نهاية التسعينيات ضد الجيش اليوغوسلافي، أي الجيش الممثل لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية المكوّنة من صربيا والجبل الأسود، وكان الغرض من الحرب فصل إقليم كوسوفو البالغ فقط حوالي 10,9 آلاف كم2، وقد جاء انفصاله استكمالاً لتفكيك الاتحاد اليوغوسلافي عامة، الذي كان مكوّناً من (صربيا والجبل الأسود، كرواتيا، سلوفينيا، البوسنة والهرسك)، وقد انطلق قطار التفكك من كرواتيا وسلوفينيا بداية من عقد التسعينيات، أي عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم انتقل للبوسنة والهرسك، ثم أخيراً إلى كوسوفو – التي كانت جزءاً من البلاد تمتع بالحكم الذاتي حتى عام 1989- وقد توفّر لعملية تفكك يوغوسلافيا دعم واسع من بابا الفاتيكان حينها يوحنا بولس الثاني، الذي كان مقربًا من دونالد ريغان في الثمانينيات، وكرّمه جورج بوش الابن في 2004.
ومن المعلوم أن «جيش تحرير كوسوفو» قد تلقى دعماً غربياً واسعاً، انتهى بتدخل حلف الـ«ناتو» العسكري المباشر في آذار – حزيران 1999، وقيامه بقصف عاصمة صربيا «بلغراد»، وتوقيع «معاهدة كومنوفو» التي فرضت على الجيش الصربي مغادرة (كوسوفو)، وإدخال قوات دولية «غربية» بدلًا منه، ثم إنتاج ثورة ملوّنة بقيادة حركة «أوتبور»، وهذه الأحداث هي ما مهّدت لإعلان إقليم كوسوفو الانفصال في 2008، وسط تأييد من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، ومعارضة من روسيا وتحفظ من الصين، في حين هاجمه الزعيم الثوري الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وقال رئيس فنزويلا الراحل هوغو شافيز «إن دولته لن تعترف بكوسوفو على قاعدة أن ذلك تم بضغط أمريكي». بينما كانت تركيا (تحت حكم العدالة والتنمية) من أوائل الدول التي اعترفت بـ «دولة كوسوفو» في 18 شباط 2008، ثم اعترفت السعودية والإمارات والبحرين والأردن وقطر والكويت بهذه الدولة، كما اعترفت بها مصر في النصف الأول من 2013، أي في ظل حكم جماعة «الإخوان»، وبالمثل اليمن وليبيا في 2013، وفي ظروف مشابهة.
وقد لعب «هاشم ثاتشي» أحد قادة «جيش تحرير كوسوفو» دوراً خطيراً في البلد بعد الانفصال، حيث تولى رئاسة الحكومة منذ الانفصال حتى نهاية 2014، وهو اليوم رئيس الجمهورية منذ ربيع 2016، ويعد من المقربين إلى نظام رجب أردوغان.
وقد صار من المؤكد تعاون «جيش تحرير كوسوفو» في فترة قتاله مع تنظيم «القاعدة»، حيث تدرب في معسكرات التنظيم سواء في البوسنة أو أفغانستان وباكستان، وكذلك ارتبط بالمال الملوّث القادم من تجارة المخدرات وبيع النساء، وهذا المال تم توفيره من المهاجرين الألبان (الألبان الذين ينتمون لإقليم كوسوفو ويعيشون في دول أوروبية) تحت عين ونظر المخابرات الغربية.
كما تورّط «جيش تحرير كوسوفو» في عدد ضخم من الانتهاكات وعمليات القتل والنهب والتخريب للمنشآت وللآثار التاريخية والدينية المسيحية التي تعود للقرون الوسطى، وقد أعلنت روسيا في آذار 2012 أنها قررت تقديم 2 مليون دولار للشروع في إصلاح تلك الآثار.
الدعم الذي قدمته واشنطن وحلف شمال الأطلسي لجيش تحرير كوسوفو اتخذ أشكالاً مباشرة، حيث قامت الـ «سي آي إيه» بتمويله وتدريبه وتسليحه، وكانت صحيفة «صنداي تايمز» قد نقلت اعترافات عملاء الاستخبارات الأمريكية بأنهم ساعدوا في تدريب عناصر الجيش قبل قصف الـ«ناتو» ليوغوسلافيا، رغم أنه أحياناً ما كان «الجيش» يتهم من الخارجية الأمريكية بالإرهاب، والحصول على تمويلات من الإتجار بالمخدرات.
وقد قال عقيد متقاعد في الجيش الأمريكي إن قوات جيش تحرير كوسوفو قد تدربت في ألبانيا من قبل عسكريين أمريكيين سابقين يعملون في قوات خاصة محترفة أمريكية «MPRI». وفي 2001 كتب «جيمس بيسيت» سفير كندا في يوغوسلافيا وبلغاريا وألبانيا أن تقارير وسائل الإعلام تشير إلى أنه «في وقت مبكر من عام 1998، كانت وكالة المخابرات المركزية بمساعدة من القوات الجوية البريطانية الخاصة تقوم بتسليح وتدريب أعضاء جيش تحرير كوسوفو في ألبانيا لإثارة المسلحين، وإشعال تمرد في كوسوفو … وكان الأمل هو أن يؤدي اشتعال نار كوسوفو إلى تمكين منظمة حلف شمال الأطلسي من التدخل».
وطبقاً للمحقق الإنكليزي والمحلل السياسي «تيم جودا» فإن ممثلي جيش تحرير كوسوفو قد التقوا بالفعل مع وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والسويسرية في عام 1996، وربما قبل ذلك بعدة سنوات!.
كما وثق «معهد الحرب والسلام» الأمريكي في تقاريره الطريقة التي جرى من خلالها تطويع بعض العناصر السلفية لمصحة المنظمة الانفصالية الكوسوفية، وتضمنت التقارير أسماء قيادات «القاعدة» الذين جرى نقلهم من أفغانستان والشيشان برعاية أجهزة الاستخبارات الغربية والعربية إلى كوسوفو!.
وتماشياً مع الدعم الغربي تمتع جيش تحرير كوسوفو في فترة قتاله بمساندة عدد من الأنظمة الخليجية في مقدمتها السعودية، ولدينا في 4 تشرين الثاني 2015، تصريح من الشيخ «نعيم ترنافا» مفتي كوسوفا ورئيس «المشيخة الإسلامية» جاء فيه مدحاً واسعاً للسعودية،حيث قال، حسب صحيفة «سبق» الإلكترونية، إنه «لن ينسى أبداً وقفة السعودية، ودعم الملك، وجميع الشعب السعودي الذين ساعدوا كوسوفو خلال الحرب، وبعد تحريرها».
ومن الملاحظ أن القوى الغربية قامت بلعبة ازدواجية فيما يخص هذا الجيش، فهي سبقت أن وصفته بالإرهاب والتطرف والتجارة بالمخدرات، في الوقت ذاته كانت تدربه وتتحالف معه وتتدخل لتقصف الجيش الصربي لمصلحته. رغم أن جرائمه شائعة، وتشير إليها حتى المنظمات الغربية، فقد اعتمد هذا الجيش على تهريب المخدرات لتمويل شراء الأسلحة إلى عدة سنوات، حيث تشير وثائق الاستخبارات إلى ارتباطه بشبكة كبيرة للجريمة المنظمة في ألبانيا، وكانت هذه الشبكة تبيع الهيروين بصورة غير شرعية لمشترين في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهذا أكده ممثلو الإنتربول في اليونان، والمرصد الجيوسياسي للمخدرات في فرنسا، وعناصر مكافحة المخدرات الألمان، كما تورط هذا الجيش في تجارة الأعضاء، حيث ادعت كارلا ديل بونتي، وهي مدعية كبيرة في المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، بأن هناك حالات تهريب الأعضاء في عام 1999 بعد نهاية حرب كوسوفو. وباعتبار الجيش حركة مسلحة وانفصالية ولديها فكر سلفي (وهابي/قطبي) فقد تورطت في أعمال عنف واسعة، ففي شباط1996، شنت سلسلة من الهجمات ضد مراكز الشرطة وضباط الحكومة اليوغوسلافية، على خلفية مزاعم بشأن قيام هذه القوات بتنفيذ هجمات ضد الألبان. وقد تركزت انتهاكات «جيش تحرير كوسوفو» ضد الصرب والأقليات العرقية الأخرى (في المقام الأول الغجر) وضد الألبان الإثنيين المتهمين بالتعاون مع السلطات الصربية. كما قام «الجيش» بقصف مراكز الشرطة والمقاهي المعروفة بتكرار زيارتها من قبل المسؤولين الصرب، ما أسفر عن مقتل مدنيين أبرياء في هذه العملية.
العدد الدقيق لضحايا جيش تحرير كوسوفو غير معروف- لكنه وفقاً لتقرير صادر عن الحكومة الصربية – قتل وخطف الآلاف، وارتكب عدة مجازر مثل: واقعة كليكا (26-27 آب 1998)، حيث عثر على 22 جثة محروقة؛ وقد نسبت صربيا عمليات القتل إلى جيش تحرير كوسوفو، ومذبحة بحيرة رادونوجي (9 أيلول 1998)، حين اكتشف فريق من الأطباء الشرعيين الصرب بالقرب من البحيرة جثث 34 فرداً من أصل صربي ورومي وألباني، ومجزرة غنيلاني، حيث تم العثور على رفات 80 صربياً، على أيدي أعضاء في مجموعة غنيلان التابعة لجيش تحرير كوسوفو، الذين حوكموا غيابياً أمام محكمة صربيا، ومجزرة أوراهوفاتش، حيث تعرض أكثر من 100 مدني في غرب كوسوفو للاختطاف ووضعهم في معسكرات الاعتقال من قبل مقاتلي جيش تحرير كوسوفو،ومجزرة ستارو غراكو، حيث قتل 14 مزارعاً صربياً، ومقبرة جماعية لأوغلجاري، حيث تم العثور على 15 جثة لصرب في مقبرة جماعية، ومجزرة فولوجاك، حين قُتل 25 مدنياً من صرب كوسوفو على يد «جيش تحرير كوسوفو»، وفقاً للسلطات الصربية. وانتهت الحرب (الكوسوفية – الصربية) بأن تدخل تحالف من 18 دولة من أعضاء الـ «ناتو» بزعامة الولايات المتحدة، لينفذ عملية عدوانية مدة 78 يوماً، وتحت «ذرائع إنسانية» استخدمت واشنطن أسلحة محرمة دولياً، ومزقت البلد، وأزهقت أرواح الآلاف وخلفت آلاف الجرحى، وتم تدمير البنية الأساسية الصناعية – الحربية في صربيا، وإلحاق الدمار بأكثر من 1500 مركز سكني وحوالي مئة من الآثار التاريخية.

*كاتب من مصر

::طباعة::