تثبت الدراسات التي قام بها إلياد كيف أن الرمز والأسطورة والصورة تنتمي إلى جوهر الحياة الروحية وأنه بالرغم من امتلاك الإنسان القدرة على كبتها أو التقليل من قيمتها إلا أنه لا يستطيع إنهاءها حيث إن الأساطير والرموز رغم ما تعرضت له من استبعاد أو اختزال ما تزال تلعب دوراً في حياة البشر من خلال الشعر والأدب بل إن الأدب لدليل على استمرار التعبير الأسطوري عن الحياة الروحية من خلال الأشكال الرمزية..

فمنذ الفترات القديمة والإنسان يبحث عن انزياحات خارج نطاقه التاريخي وخارج الأنماط الفكرية الجاهزة وهذا لا يعني بأية حال أي نوع من التبدد النهائي لـهويته بل إن الخروج عن الشروط التاريخية لا يعني أبداً ضرورة التوحش كما اعتقد الفكر المتمركز حول العقل أو التاريخ الأوربيين ذلك أن من أبرز مظاهر التمحور على الذات والتركيز عليها انتقاء التواريخ  والأحداث الهامة استناداً إلى مركزية وغالباً ما تكون هي المركزية الأوربية فقد جرت العادة على تبني التحقيبات التاريخية الشائعة والقائلة بأن ثمة عصراً قديماً وآخر وسيطاً وأزمنة حديثة ومعاصرة..

وانطلاقاً من ذلك يتم تحقيب التواريخ الأخرى تحقيباً مطابقاً لا يحترم خصوصية هذه الأخيرة وزمانها الفعلي وبهذه الكيفية يتم كبت تلك التواريخ الأخرى وتدمج في تاريخ واحد هو التاريخ كما يراه الغرب وقد دفع التمركز الأوربي حول التاريخ وبالتالي حول العقل بفيلسوف أسطوري مثل نيتشه إلى مهاجمة التاريخ التقدمي والمتصل وكذا الحس التاريخي باعتبارهما كانا دوماً مصدر حصار لقوى الحياة، على أنه من المعروف أن الإنسان عندما يكسر الزمن يستعيد بذلك لغة البداية والأصل الأول وتجربة الفردوس المفقود فالأحلام وأحلام اليقظة ومختلف صور الحنين والرغبات اللامعقولة والقوى الغريبة والخارقة التي لا حصر لها تدفع بالوجود الإنساني المقيد بالشروط التاريخية داخل عالم روحي لا حد لغناه بالقياس إلى العالم المنغلق في لحظته التاريخية فهي تلهمه صوراً ورموزاً تفوق في قوتها الأنطولوجية قوة المفهوم أو التصور العقلي..

ومن هنا فاللاشعور كما أثبتت تجارب وخبرات عديدة يعتبر أكثر شاعرية وذلك بقدر ما هو أسطوري فليس من الضروري دائماً معرفة الأساطير لكي يتم عيش الموضوعات الأسطورية الكبرى.

print