لم تهجُر القلمَ بعد أن حفَرَتْ به دربَاً طويلاً إلى وطنٍ، أرادتْه وطناً نهائياً لا بديلَ عنه، هي البيضاء، الشّقراء التي لولا مولدُها في أرضٍ سوداء، ما ذُكِرَ لونُها ولا عِرقُها! ناعمةَ البال كانت، وهي في إحدى ضواحي جوهانسبورغ، تعزف على البيانو وتتعلّم الباليه، حتّى رأت الشّرطة تقتحم منزل خادمتهم السّوداء وتدمّر حديقتَه باحثةً عن زجاجة كحول، ممنوعةٍ على العبيد، وتُذهَلُ من صمت والديها على المشهد فتغادر عالمَها النّاعم وتهجر البيانو والباليه وتتسلَّح بقلمها لتجعل وطنَها ذا وجهٍ إنسانيٍّ لا يخجل من عُنصريَّتِه بين شعوب الأرض، وحثيثاً تمضي في طريقٍ مملوء بالألغام، إذ تُمنَع روايتُها الأولى «عالَمٌ من الغرباء» اثني عشر عاماً بتهمة التّحريض، ولا يُرحَّب بمن تُطالِب ألا يُعاقَب إنسانٌ بسبب لونه، وبمن تنضمُّ إلى حزبٍ يرأسه رجلٌ أسود وتساعده في كتابة خطابه يومَ محاكمتِه، لكنَّها تواصل السَّيْرَ بصبرٍ، دام بين قصّتها الأولى وسقوط نظام الفصل العنصريّ ستِّين عاماً، تقول بعدها: -صحيحٌ أنّ الشّياطين القديمة طُردَت من السّاحات العامّة، لكنّها مازالت تجول في الكواليس، على الأقلّ في ذهن أولئك الذين لم يقبلوا بعدُ صعودَ السّود!
«نادين غورديمر» نالت لقب «ماغوغو» أي «أمِّنا» وكان الأقربَ إليها من جائزة «نوبل» التي تُوِّجَتْ بها عام 1991، لم تهجر قلمَها بل تابعت نضالها من أجل السّلام ونزع التّسلُّح واستئصال الإرهاب، وفي رحلتها الرّوحيّة العميقة تجْهَد للتّعريف وتشجيع الأدب الأفريقيّ بلغاته الوطنيّة حتى قيل فيها: كحارس المنارة يراقب الأفق البعيد!
مبدعٌ يصعد وهو محوطٌ بجموعٍ أيقظ وعيَها وروحَها ليصل الذّرا، هو مرآةٌ ساطعة، تكشف أولئك الذين يصعدون على الأجساد والقيم والأرواح ليقطفوا العار باسم جائزة أو وسام!

::طباعة::