مات إبراهيم الجرادي بعد أن باغتته علل كثيرة. لا أقصد السرطان، أو السكّري، أو الجلطات الدماغية المتتابعة، ولا خيانات شرايين القلب. كل هذه الأمراض اجتمعت على جسد الشاعر، لكن الطعنة التي أودت بروحه هي اليأس… اليأس الذي كان ينشب أنيابه في روحه على دفعات، يتسلل من الجهات الأربع ليمنع عنه هواء الطمأنينة المؤقتة. عاد من صنعاء بعد غيابٍ طويل، ليجد دمشق في مهبّ الحريق، فعلق بين مسافتين، ولم يتمكّن من ترميم أسباب الغياب، إذ تغيّر المشهد كثيراً، وبدا غريباً في جوقة الصخب الجديدة، فذهب إلى عزلة اختيارية إلى أن تمكّن منه اليأس، ثم قلة الحيلة، في «بازار ثقافي» لا يمتلك أدواته، كما أنه لا يجيد ألعاب الخفة في هذا السيرك، فانزوى بعيداً، ليغرق في أوراقه ومسودات أشعاره وترجماته. يكتب حديقة أنقاضه ثم يطوي أشجاره الباسقة في الأدراج. مات من الخذلان أولاً، فالشاعر الذي بدا جامحاً في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، لجهة التجريب والمغامرة، انكفأ في سنواته الأخيرة إلى نصّ إيقاعي يعمل على الوجع والشجن والفقدان، إذ نأت مدينته الرقة بعيداً، تحت وطأة أقدام البرابرة، ولم تعد قريته «بندر خان» متاحة، كما توزعت الدروب والجهات أصدقاء العمر، لتتكشّف حياته عن زوبعة عجاج تحجب حقول القمح وقصب الفرات وأسوار المدينة القديمة.
يقول: «أخذ اليأس يضج فيّ كالفضيحة ويشيد حديقة روحي باليأس والشعور بعدم الجدوى، لتتكسر أصص إيقاع الحياة والشعر بضجيج السابلة الذي لا يحتمل»، ويضيف في توصيف وحدته و بخطا العارف بسرّ النعش وبيقين جارف بقيمة الإنسان ذهبت إلى ما فاتني, وها آنذا أقضي وقتاً «أهذر» في شؤون لا يستثمرها الآخرون, ولا تعني شيئا للكثيرين إنه داء المفتون بنفسه ليس إلا.
هكذا ذهبت نصوصه الأخيرة إلى ما يشبه الحداء البدوي في صحراء مفتوحة على الريبة والفقدان والأوجاع. بهتافٍ عالٍ، وناي مكسور أراد أن يكتب مرثاته الشخصية وذاته الممزّقة» بَدَداً صيّرني الوقتُ، وقلبي مُسْتَباحْ، وأنا حقلٌ من الشيحِ، ستسفوهُ الرياحْ، وأنا أحمل ميراثي، وميراثي دمايْ، لستُ محظوظاً لكي أغفوْ على وترٍ ونايْ».
مات إبراهيم الجرادي، بعد أن فقد النطق إثر جلطة دماغية، وكنّا نحاول في زياراتنا له، أن نخفّف من محنته بتدريبه على استعادة صوته، لكنه أدرك أن الصمت هو كلمته الأخيرة، مكتفياً بحركة يدٍ عابثة، بأن لا جدوى، لا جدوى!

::طباعة::