احتراف المسافة بين النقد والعمل الفني، هو الدرس الجديد الذي أعكف على تعلمه خلال هذا الموسم، وقد خلصت إلى أن نقد المسافة بينهما، لا يقل أهميةً عن تعلم قواعد نقد العمل الفني المعيارية، فإصدار الحكم القيمي على المسلسل الدرامي اليوم، ونجاح الناقد بمناقشة جيّده من رديئه، وصحيحه من زيفه، بات يتطلب إضافة إلى ممارسة تلك القواعد، إدراك المسافة في مثلث الناقد والجمهور والعمل الدرامي، والمسافة في مثلث التنوير والترفيه والعمل الدرامي، والمسافة في مثلث ما يحبه الناس وما نحبه نحن وما يريده صناع العمل.
واحتراف تلك المسافة من شأنه المساعدة في فهم ما معنى أن يتربع مسلسل مثل «باب الحارة» سنوات عديدة على عرش الأكثر متابعة رمضانياً و الهدف الأول للمعلنين، رغم أنه لم يلقَ يوماً احتفاء نقدياً به، بل تعرض إلى هجوم استمر حتى بعد توقفه وغيابه رمضان الفائت.
اليوم أدعي أنني قبضت على شيء من سر تلك المسافة، وقد بلغت حدّ اليقين بأن الجمهور ليس غبياً حين يتهافت على عمل نراه نحن النقاد رديئاً، فهو أحياناً يرى في المسلسل طوق خلاص ينسيه واقعه المثقل بالهموم والمشكلات بالتحايل عليه أو بنقله الى عالم بريء منه.. ويريده هدنة من كل ما يؤرق حياته، حتى لو بدا مختل البناء الفني، بعيداً عن الواقع، مناقضاً لكل مسلماته، إنه يريده محطة للنسيان أو للشفاء من مكابداته اليومية، ونحن نريد العمل الفني صورة عن الواقع، مهموماً بطرح أسئلته، في بناء درامي متماسك.. ملتزماً بقواعده الفنية، تلك التي أسس لها أرسطو وصولاً إلى المدارس الفنية اليوم.
احتراف تلك المسافة يعني ألا يؤرقني كناقد نجاح الأعمال الرديئة وجماهيرتها رغم عيوبها الواضحة، فكما تتطور القواعد الفنية وتبقى أسسها ثابتة في تقييمنا للعمل الدرامي، يبدو أن تهافت الناس على تلك الأعمال الرديئة، رهن زمن عرضها وأحواله، وخارج هذا الزمن لا قيمة لتلك الأعمال، في ذاكرة أشد المتهافتين لمتابعتها اليوم.
وحتى تجاوز هذا الزمن، لابد من فهم ما يريده الناس هاهنا ليكون منطلقاً لمقاومة الرديء بعمل من جنسه، يستوفي على ما يحبه الناس ويلفت انتباههم في تلك الأعمال الرديئة، ولكن في قالب فني متماسك… هكذا فقط يصير مثلث ما يحبه الناس وما نحبه نحن وما يريده صناع العمل متساوي الأضلاع لا اختلال فيه.

::طباعة::