يمكن أن تكون (السوق) إحدى معاني الحرب الكثيرة، سوق بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما تفرضه هذه السوق من بضاعة خاصة، ومن الممكن أن تكون هذه البضاعة مِهناً، كمهنة المحلل السياسي!
والأمر لا يتوقف عند الحرب، فالأحداث المتسارعة والمتلاحقة، والمتغيرات في السياسة الدولية التي بات العالم يعيش تحت وطأتها، لابدّ أمامها من حضور التحليل السياسي وهل استطاع المحلل السياسي تحقيق الحضور السليم والهادف من ظهوره الإعلامي بمختلف أنواعه، والذي وصل حدّ التحليل الافتراضي بـ«تغريدة» وتنبؤ تحليلي على مواقع التواصل الاجتماعي؟!
واللافت في السنوات الأخيرة، تزامن الظهور المكثف للمحللين السياسيين و«أن المنجّمين» باتوا «شيوخ الكار» بقراءة الطالع والفال، يحجزون أثير الفضائيات لساعات اتصال يروّجون خلالها لمن تقضى على أيديهم الحوائج والرغبات وتطلّعات البسطاء وأصحاب الحاجة.
فإلى أيّ مدى كان لمهنة «التنجيم والتبصير» أثر في استقطاب أشخاص ادّعوا مشيخة التحليل السياسي والتنبّؤ بأحوال المناخ السياسي ودرجات حرارة التكتيك الميداني، وتقلّبات الطّقس الدبلوماسي؟
قيل في السياسة.. إنها فنّ الممكن، أيّ أنه لا مستحيل في السياسة.
وقيل في التحليل السياسي.. إنّه علم وفن وشكل من أشكال العمل السياسي، فيه استشراف المآلات وتوقّع الاحتمالات، أيّ إنه أبلغ من أن يمتهنه أشخاص عاديّون، حتى وإن تمتّعوا بثقافة سياسية عامة، فهذا ليس من الضروري أن يؤهّلهم ليكونوا محللين سياسيين، فما يلزمهم أكثر من المعرفة والثقافة – التي منها تكون ركائز القاعدة الأساسية لبيانات ومعلومات تواكب الأحداث والمتغيّرات السياسية- إنه التخصص، فالخبرة والمعلومات التي يمتلكها المتخصص لا تتوافر لدى عامة المحللين الذين باتوا كأطباء أيام زمان، توصيفهم «طبيب عام»، أيّ إنهم يفهمون بكل الاختصاصات، ومع كامل تقديرنا لهم -الأطباء- إلا أن أغلبية محللي اليوم لم يستطيعوا تقديم الفائدة التي تمكّن أطباء أيام زمان من تحقيقها، حيث من الطبيعي ألا فائدة من فكر (محلّل عام)، يفهم بكل الاختصاصات (سياسة ومجتمع واقتصاد وعسكرة وأطلس جغرافيات..)، وليمتلك أدوات التحليل السياسي والاستفادة القصوى من النظريات والمفاهيم والفرضيات لدعم وإسناد نصّه التحليلي، والقدرة على توظيف المعلومات، وحسن ربطها بمنظومة تكون صورة قريبة من الواقع، وليس المقصود أن تكون لسان حال أماني المتلقي، فالمحلل السياسي ليس «منجِّماً»، ولا يجب أن يكون قارئاً لطالع مرهون بالتكهنات غير المدروسة، وغير الهادفة، والتي لها ارتدادات سلبية تتعدى مرحلة «الجذب والنفور».
فالفرق كبير بين إبداء الرأي وطرح فكرة، وبين التحليل السياسي الذي هو عرض للحقائق مصحوب بالدلائل والوثائق والبراهين.
لأن التحليل السياسي يتجاوز القدرة على الإجابة عن السؤالين (ماذا حدث؟ ولماذا؟) لما يفوق العلم والمعرفة، وهو مرحلة تفيد الإحاطة والشمول بكل الأسباب والدوافع الممكنة والمحتملة، وعدم الركون لبعضها فقط، والفصل بين الإمكان والنية، فمعرفة الإمكانات أسهل بكثير من معرفة النيّات للوصول إلى مرحلة تؤهل المحلّل للغوص في بنية النص الذي يتبناه، وتحليل تضاريسه وما وراء الصياغة التي يجب أن تكشف عن غايات النص السياسي، التي اختلف تأطيرها في الساحة السورية من تحليلات لبداية الأزمة في سورية، التي رافقتها نصوص مؤثرة لتأجيج العواطف وتحريض الولاء والمواطنة، إلى تحليلات اليوم التي تتوافر فيها القدرة المعرفية الكافية لربط الأحداث واستخلاص النتائج بدقة معلومات وبعد نظر وقدرة على الإقناع وشعور بالمسؤولية تجاه شارع بات يتقن فنون السياسة ولا يحتاج «حكواتياً» يملأ شاغر أثير الفضائيات.

m.albairak@gmail.com

::طباعة::