ما لم تستطع الحرب الساخنة هدمه، هو الإصرار على التمسك بهويتنا الوطنية المتشكلة تاريخياً من مختلف الأطياف الدينية والإثنية والعقائدية والفكرية التي منحت لها خصوصية نادرة تفتقر إليها معظم المجتمعات الحديثة، لكنها تقلق الآخرين الذين لن يوفروا فرصة للنيل منها، بغية العودة بمن يحملها إلى حلبة الصراع الساخن من جديد ليسهل ابتلاعها وهضمها من قبل الذين لهم مصلحة في ذلك.. بعضاً من اللغط الشعبي الآن يدور حول الخطر من محاولة تعويم الدين بغية إجهاض المنجزات المادية والروحية التي تحققت أثناء الحرب على سورية وفي الفترة السابقة لها، فريق آخر يتحدث عن خطر تعويم الفكر العلماني والسير في دروب «الإلحاد» وللغاية نفسها، وكلا الفريقين يحذر، ويتربص للآخر في حال انتصار نسقه «الهدام!!»، متجاهلين العامل الإنساني بأن المعتقدات لا تلغى بقرار، أو بناءً على مزاج شخص أو مجموعة تعد كلّ من يخالفها على خطأ، ولو أدرك المتطرفون هذا القانون غير المرئي بشكله المادي لكان التطرف في ذمة اللاوجود، وفي حال الانتقال إلى الخاص فإن المجتمع السوري بالكامل مؤمن بالله مثلما هو مؤمن بأن جميع الأطياف في سورية لها الحق في ممارسة معتقداتها وطقوسها الدينية من دون تحفظ، وهذا ما ضمنه الدستور السوري المكتوب والقائمون على حمايته، إضافة إلى الضمانة التي يقدمها العقد الاجتماعي الشفهي بين أفراد المجتمع، ولا يفوت أحد رؤية هذا ماثلاً للعيان في كل القرى والبلدات والمدن السورية، ولاسيما بين ما يضمه سور دمشق التاريخي من فسيفساء إنسانية كان التدين «الشامي» المتسامح جزءاً لا يتجزأ من إرساء قواعدها المادية والروحية.. أما فيما يخص العلمانية، فهناك فرق كبير بينها وبين الإلحاد الذي يتنكر لوجود الله، بينما العلمانية تسعى إلى سيادة الدستور المدني للوقوف بوجه التطرف الديني الذي يسعي إلى امتلاك السلطة السياسية، وفرض رؤيته الأحادية والمنافية أبداً لقيم الدين الأصيلة ولهدف بناء مجتمع تكون قيم الإنسانية فيه مصونة للجميع، ومَثلُنا يأتي من العلماني «فارس الخوري» عندما أبلغه «غورو» أن فرنسا جاءت إلى سورية لحماية مسيحيي الشرق، فما كان منه إلا أن قصد الجامع الأموي وصعدَ منبره خاطباً: إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله.. فأقبل عليه مصلو الجامع الأموي وحملوه على الاكتاف وخرجوا به إلى أحياء دمشق القديمة حيث انضم إليهم المسيحيون، والعلمانيون في موكب وطني مهيب، وهم يهتفون لا إله إلا الله..

::طباعة::