بمعزل عن الآمال التي عقدها كثيرون على الحوار بين الثقافات وحول إمكان توليد ثقافة عالمية تغتني بما في داخلها من فوارق، فإن مثل هذه الثقافة العالمية لم ترَ النور بعد إلا في مساحات عشوائية من فوضى التواصل والاتصال, ولا تزال الصراعات والمنافسات الثقافية قائمة بل لعلها تزداد حدة يوماً بعد يوم. صحيح أن العالم الرقمي الجديد قد طرح بعض الشعارات البراقة في مجال تحقيق ديمقراطية الشعوب وعالمية الحوار الثقافي المشترك وضرورة إنصات الشعوب بعضها إلى بعض، ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقق إلا في بعض المبادرات المتواضعة في مجال الربط بين التنمية الثقافية وطموحاتها من أجل السلام.. هذا كله يقودنا إلى الحديث عن بواعث أزمة الثقافة العالمية ولاسيما مع التعقيدات المزمنة لفشل جهود التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية في العقود الأخيرة بفعل إهمال العنصر الإنساني الثقافي الذي لم يقدر حق قدره ولاسيما في البلدان النامية، الأمر الذي أيقظ النزعات العصبية والإثنية والدينية على مدى مناطق الفراغ الذي كان يجدر بالثقافة العالمية أن تملأه وبدا المسرح الراهن مفتوحاً على سيطرة ثقافة الأقوى، وها هنا فإن واجب المجتمع الدولي أن يقوم بجهد مشترك في هذا الميدان من أجل اكتشاف القيم الملائمة لعصر التقدم العلمي والثقافي والمعلوماتي. والمفارقة في المأزم الثقافي الراهن أن عوامل التضامن العالمي لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن , كذلك ولم تكن عوامل التفرقة والصدام يوماً أعنف منها في عالمنا الجديد، والتحول السريع الذي نشهده في قلب الثقافة الإنسانية تحول يتجه اتجاهاً مزدوجاً اتجاه نحو العالمية واتجاه معاكس نحو البحث عن الجذور القريبة الخاصة. وإذا جاز تقسيم العالم إلى شمال غني وجنوب فقير، فليس من الجائز إسقاط هذه القسمة فتتحدث عن شمال مثقف وجنوب غير مثقف, إن الجمع بين الغنى والمعرفة من جهة, وبين الفقر واللامعرفة من جهة ثانية من شأنه أن يكون حالة انشطارية في المجتمع الإنساني تحمل في طياتها مضامين أشد خطورة من الانقسام التقليدي بين الشمال والجنوب. وبكلمة، فإن الثقافة وسط هذه الهواجس مدعوة إلى بناء نزعة إنسانية جديدة لها مقوماتها الخلقية الأساسية كيما تفسح مجالاً واسعاً لمعرفة القيم الثقافية للحضارات المختلفة واحترامها, وما من شك في أن هذه المهمة هي المقابل الضروري لعولمة لا تعنى إلا بالجوانب الاقتصادية والتقنية في زمن أصبح فيه الفرد قادراً على الانسلاخ عن جماعته المحلية ليتجه رأساً إلى الجماعة الكونية ويختار ضمنها مجموعة أو مجموعات للانتماء، سيبدأ المعنيون بالبحث عن ركائز هذه الهوية الثقافية الجديدة داخل فضاء تلاشت فيه حدود الزمان والمكان وأزيلت فيه حواجز اللغة من دون أن تتلاشى الهوية الثقافية الأصلية.

::طباعة::