يلتقيان في القمة الجمال والطبيعة والحق والتأمل ثم يأتي الذوبان في اللحظة وفي حالة من الرقي والتسامي الروحي يكون الابداع وتكون القصيدة «الهايكو».
كان علي أن أقرأ الكثير حول «الهايكو» لأعيش حياة اللحظة وأشعر بجمال تلك الثقافة اليابانية التي لمست فيها روحاً من الصوفية حيث يتمثل المبدأ الأساسي للشاعر بالارتباط باللحظة وإسقاط التفكير بالماضي أو المستقبل رغم أن هذا الارتباط يختلف الى حد ما عن تقليد «التأمل» أو «اليوغا» الذي يعتمد مبدأ منع العقل من التفكير لفترة زمنية قصيرة. ففي قصيدة «الهايكو»، يصبح الارتباط باللحظة الحاضرة يقابله ذوبان بعالم الطبيعة، وذلك بالرصد الكامل للحظة التي تتفاعل فيها الغيوم والطيور والمطر والنباتات وشلالات الماء والشمس والنجوم وغيرها ويتم نقلها بسبعة عشر مقطعاً صوتياً تتوزع على ثلاثة خطوط وكما يراها مؤسسو «الهايكو» الكبار فهي تكثيف في أقصى مداه، من دون وجود روابط بينها، وهذا ما يتيح للمتلقي أن يملأ تلك الفراغات بتوظيف مخيلته الخاصة.
هذا الشكل الفني الجديد للقصيدة لاقى استحسانا وتجاوبا لدى شعراء الحداثة ومبدعينا في سورية مع وجود اختلاف ربما فرضته اللغة أو طرق التفكير والتأمل لكن الحالة الروحية لقصيدة الهايكو كانت متجاذبة أكثر مع روحانية الشعر الصوفي فالعنصر الأساس لشاعر الهايكو هو التدرب على عيش اللحظة بالذوبان الكلي في ما حوله من عناصر الطبيعة ثم يصبح النظم الشعري عملية شديدة التلقائية تشبه حالة الشعراء المتصوفة في نظمهم للشعر بعد الوصول الى حالة من الثمالة الروحية في الانصهار بالحق
ومن هنا جاء التأمل واليوغا الهادفان إلى تحرير العقل من قيود الانشغال الذهني المتواصل بالعالم الخارجي عبر التدرب على قطع سلسلة التفكير به، وعيش لحظة الحاضر خالية من الارتباط بالماضي أو بالمستقبل. لكن قصيدة «الهايكو» حققت قفزة كبيرة حين دعت إلى أن يعيش المرء في كل لحظة الحياة والفناء معاً، فهو في كل لحظة يولد وفي كل لحظة ينطفئ، والطريق إلى تحقيقه يأتي عبر الذوبان في الطبيعة من خلال الفنون سواء في الموسيقا أو الرسم أو الشعر وغيره. ليعطي دفعة كبيرة لتطوره في مجالات حياتية عدة، صاغت في الأخير طرائق التفكير والابداع في اليابان.
وبمقارنة قصائد «الهايكو» مع الشعر الصوفي نلمس في الأول أن الجمال الحسي يدرك بالبصر والسمع وسائر الحواس، أمّا في الثاني فيعتبر الجمال الأسمى السامي يدرك بالعقل والقلب. ويرى أنّ القلب أشدّ إدراكاً من العين، لأنّ القلب يدرك الأمور الإلهية وإنّ المثل الأعلى للجمال لدى الصوفية هو الله الخالق ، فهم أصحاب القلوب والمواهب الإلهية.

::طباعة::