من المعروف أن علماء اللغة قد أكدوا بالإجماع على مقابلة المجاز للحقيقة وأسبقية الاستخدام الحقيقي للغة على استخدامها المجازي كما أكدوا في نفس الوقت على ضرورة وجود علاقة ما بين الاستخدام الحقيقي والاستخدام المجازي لألفاظ اللغة.. على أن معنى العلاقة هنا ليس هو قيام المجاز على التفاعل للتعبير عن خبرة جديدة بقدر ما يعني المحافظة على التمايز وتأكيد المعنى الحقيقي نفياً لمظنة الكذب عن المجاز تلك التهمة التي اتهم بها الظاهرية المجاز…

ومن الجدير ذكره هنا هو أن الجرجاني الذي وافق مجموع العلماء الذين سبقوه على هذه الأطروحة رأى أن الحقيقة هي كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا تستند فيه إلى غيره وبالطبع إن المقصود بوضع الواضع أو المواضعة هو البعد الاصطلاحي المتعارف عليه للغة كيفما كان مصدر هذا الاصطلاح حيث المهم أن استخدام الكلمة في المعنى الاصطلاحي الشائع المتعارف عليه يكون استخداماً حقيقياً سواء كان مصدره الإجماع أو كان عبارة عن مواضعة طارئة كما هو الأمر في أسماء الأعلام فدلالة اسم العلم على مسماه دلالة حقيقية حتى لو كان الاسم منقولاً عن معنى..

ومعنى ذلك أن مجرد نقل اللفظ من مجال إلى مجال لا يعني أن هذا النقل مجازي طالما أنه تم دون مراعاة علاقة ما ولذلك تعد مراعاة العلاقة بين معنى اللفظ الاصطلاحي المنقول عنه ومعناه المجازي المنقول إليه جزءاً هاماً من تعريف المجاز، فالمجاز لا بد أن يستند إلى الحقيقة الاصطلاحية لمعنى الكلمات، بمعنى أن الاستخدام المجازي للكلمة لا بد أن يستند إلى وجود علاقة ما بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي سواء كانت هذه العلاقة قوية واضحة تقوم على المشابهة الصريحة أو الخفية كما هو الشأن في الاستعارة بنوعيها أو كانت علاقة غير واضحة تحتاج لبعض التأمل كما هو الأمر في المجاز المرسل.

طباعة

عدد القراءات: 1