من منا لا يتذكر التصريح الناري المُدلى به منذ سنوات معدودة ماضية بأنه «لا زيادة على الرواتب والأجور»، ليستيقظ المواطن السوري صبيحة اليوم التالي للتصريح على عطاء كبير أنهى حينها كل جدل، بل وعادت معه كل التصريحات والتوقعات إلى أصحابها تجر ذيول الخيبة.
ما جرى في ذلك الوقت، عَلَّمَ الدروس والعبر، ومع كثرة الأحاديث بهذا الشأن اليوم، وحاجة المواطن لتحسين مستوى معيشته ولو بنسبة مئوية ضئيلة، لم نقرأ نفياً بهذا الجانب، ولكننا قرأنا تصريحات غريبة الأطوار، فعلى سبيل المثال: «سيشعر المواطن بالزيادة في حال صدورها»، وهناك من وعد بمفاجآت بعد عيد الأضحى ولم تتحقق، وكل ذلك يدور في دوامة التساؤلات.
تلك التصريحات لم تزعزع ثقة المواطن بأن زيادة معدلات الرواتب والأجور مرتبطة بتوفر بنية مالية أو وفر مالي أو مورد مستدام ومستقر، وليس بتصريحات تدغدغ مشاعر المواطنين، وترفع من منسوب هرمون التفاؤل لديهم، ومن أين يتحقق الوفر المالي إذا كانت مليارات الليرات تُسرق سنوياً من خزائن بعض المؤسسات إما اختلاساً أو عبر عقود لمشروعات بقيم وهمية، أو عبر ضرائب بمئات الملايين مسكوت عنها ولا يُلاحق أصحابها، أو يُمنحون «أوكازيونات» على ذممهم…؟
ومن أين سيتحقق الوفر المالي المستدام إذا كان مواطننا متلهفاً للجلوس على ضفاف نهر بردى بعد تنظيف مجراه بمبلغ لا يقل عن 11 مليار ليرة، وهل ذلك الوفر سيتحقق من صرف مئات الملايين على إصلاح جزء من مُنصّف طريق أو بضعة أمتار من رصيف أو إزالة جسر مشاة، أو استبدال أنبوب صرف صحي أو تنفيذ أعمال تفقدية لشبكة الهاتف والكهرباء في حي من الأحياء من دون مسوغ…؟
والحقيقة أن انخفاض الرواتب والأجور هو من يدفع إلى ارتكاب التجاوزات وتكاثر الفاسدين ولاسيما في ظل حرب شعواء أرهقت الاقتصاد الوطني وجعلت تأمين متطلبات معيشة المواطن من أثقل الأعباء، وإذا كان من الصعب تأمين المورد المالي المستدام لرفع الرواتب، ففي الإمكان رفع تعويض المعيشة إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، خاصة أنه تعويض غير ثابت، أي التحكم به أمر ممكن في أي وقت وتبعاً لتحسن الظروف.

::طباعة::