يدهمكَ الحزن مثل غمامة سوداء، تخرج من أتون لحرق الحجر.. يعتصر الجسد والروح معاً، فتغدو مثل شوكة برية تحمل مرارتها في العروق.. مثل حصان وضعوه في قفص، ولديه رغبة حارقة للانفلات.. يغلبك الصمت وقتئذٍ، وتغدو الكلمات جراحاً تتساقط من الفم، والحديث مع الآخر له طعم التراب.. ربما اجتاحتك رغبة للركض في أفق الوهم، عارياً إلا من جلدك.. صارخاً مثل نمر جريح.. ربما اشتقت إلى بحر ترمي أوجاع روحك في ملحه.. ربما كان الثلج أكثر جدوى.. ثلج على أطراف غابة، لم تلوثه أقدام بعد.. تتمرغ في وخز براءته إلى قاع الروح المتعبة.. وتحلم بقرنفلة بيضاء، تكنس الصدأ عن ممرّات أوردتك، وتنصب على أرصفة الشرايين خياماً لبدو أضناهم العطش.. يبحثون عن كلأ للهدوء.. وتتساءل، لعل الكتابة والكتب والثقافة أتعبتك.. أو أحزنتك كما الفيلسوف الألماني (آرتور شوبنهور) الذي كان يشتري حزنه من السوق بليرات ذهبية، ويقول: «كلما ازددت ثقافة، ازددت ألماً».. ومعه حق، لأن الثقافة تجعلك ترى النملة فيلاً…. ولكن عبر مجهر (الأنا) المتضخمة في مختبر له شكل بالون ضخم.. وظني أن الحمقى سعداء لأن لديهم جداراً يصدّ عنهم رؤية الواقع.. والواقع حافل بالرمل، كما هو حافل بحقول السنابل والزنبق.. والكأس المملوءة إلى نصفها بالماء، يمكن رؤية النصف المملوء منها، أو النصف الفارغ.. والحصيف من يرى النصفين معاً، ثم ينحاز ولو قليلاً إلى القرنفلة!..
وفي المأثور من حكايات العرب، أن طفلاً أحمق قال لأمه: «أوشِكُ أن تريني عظيم الشأن»… فلطمت الأم خديها، وقالت: «والله ما بين جنبات هذه المدينة أحمق منك».. فقال: «أما علمتِ يا أمي أن هذا الزمان زمان الحمقى، وأنا أحدهم»!…
وفي مسرحية «الملك لير» لوليم شكسبير، حين يصبح الملك أعمى، ومهرّجه مجنوناً.. ويحاول المهرج أن يقود معلمه إلى نفق النور، يصرخ الملك: «يا لهذا الزمن العجيب.. حيث العميان يقودهم المجانين!..»..
حسنٌ أيتها اليمامة.. ها أنا أشكو من الحزن، وأنت تشكين.. فدعينا نتحول إلى فلاح وفلاحة، نفلح التراب، وننثر فيه النوّارات، ونسقيها مطراً من حزننا.. لعلها تنبت شجيرات من ياسمين.

::طباعة::