في زمن الميغا- مغالطة لا حدود لفعل الخرم المنهجي لمقدّمات الاستنتاج الصحيح.. فعل يومي واستهلاك عمومي.. قراصنة على طريق الحقيقة دورهم الأساس هو الإعاقة.. يستغلون بطء الانفعال العقلي مع توتّر الظواهر.. تلعب الأفكار الزّائفة دور السّحر وتستند إلى خفّته، فما كان قادراً على تحقيق الخداع البصري فهو أقدر على تحقيق الخداع العقلي نظراً لبطء الفعل العقلي أكثر من أي غريزة أخرى.. فأمّا ما يبدو أحياناً أوضح في صناعة المغالطة فهو ما يقع في مستوى الميكرو- غالطة لأنها إظهار في الممارسة والوجود، لكن ثمة شكل آخر أخفى وأدقّ وهو ما يجري على مستوى الميكرو- غالطة.. الأشكال الخفيّة للمغالطة وهي ما يعتمده الإعلام بكل أصنافه: صحافة وتلفزيون.. تكمن خطورة الميكرو- غالطة في كونها ذلك الشكل الذّرّي الذي يضارع ظواهر «الكوانتوم» تماماً في صعوبة التحديد ورصد الحركة واحتواء سيرته.. فهو إذاً يضعنا أمام لا دقّة أو لا يقينية هيزنبرغ نفسها، لأنّنا لاحظنا أنّ بعض أشكال الميكرو- غالطة لا تمنح الراصد خيارات كثيرة، ولا يمكن ضبطها في مناحيها كلّها، فهي أحياناً تفرض أن تسلّم لحالة من أحوالها إذا أردت أن تكشف لك عن حالتها الأخرى المغالطة.. يصبح التصديق بأحد أنحائها ضرورة منهجية ومنطقية للكشف عن وجهها الآخر..
تعد الصحافة والتلفزيون ومجال التحليل السياسي الاستهلاكي مجالاً للممارسة القصوى للميكرو-غالطة.. وسأضرب أمثلة واقعية نعايشها يوميّاً في مجال الحجاج السياسي.. وسأقدّم الاستراتيجيا التي أستعملها كثيراً في الكشف عن أنواع المغالطات ومدبّريها، والتي تعطينا فكرة عن أنّ العقل حين يلتفت إلى الأشياء وينصب أمامها حواجز متينة فإنّ مرور المغالطة يصبح مجرد ضربة حظّ.. إنّ المنطق الرّياضي يفضح هشاشة اللغة ومغالطتها.. جاء الرمز الرياضي ليصحح مسار الاستدلال.. ليتجاوز مرض اللغة.. يتحدّث المحاجج كثيراً ويستعمل الكثير من الحركات التي تعبّر عن رغبة في إخفاء شيء ما.. إنّ المغالط يخشى أن يجري حجاجاً في نوع من التوزيع العادل للوقت.. يحاصرك في أي وقت أراد.. وتكثر لديه «نقطة نظام» التي تتحول إلى حيلة لمنعك من الكلام.. يتحكم بالكلام وبإدارة الحوار من تعاقد مع محاوره على هذه المهمة المزدوجة..
تختبر عدالة المحاجج فتجده ديكتاتوراً صغيراً.. حتى إنه لا يشعر بتأنيب الضمير حين ينفضّ الجمع من دون أن يستمع لرأي الطرف الآخر.. هذا الحجاج حولته إلى فرصة لتأمّل سيكولوجيا المحاجج المقهور بينما كان يعتقد أنّه سيطر على مفاتيح الكلام.. هناك خوف من الكلام.. خوف من أن ينطق الآخر بما قد يهدّم بناء كبيراً من الوهم.. أحياناً ألمح بعض مظاهر التّرجّي.. وأحياناً مظاهر الطغيان.. إنها بارانويّا الحجاج.. هنا تأتي المغالطة.. أنت الآن أمام غبيّ جاك بريفير: «يمسح كلّ شيء.. الأرقام والكلمات.. التواريخ والأسماء».. يعطيك هذا انطباعاً عن خلل ما في التربية وعادات طفولية.. «طفولة غير ناضجة».. لا أريد الوقوف عند هذا المفهوم الذي أنحته لأقارع به النزعة الفرويدية التي كرّست فكرة عدم رشد الطفولة..
أفتح قوسين لأذكّر بأنّ الطفولة غاية تربوية حتى بالمعنى الـ«نيتشي» للعبارة.. بالمعنى الذي تعكسه عبارة جون جاك روسو عن الطفل الذي يكبر فينا.. هناك يبدأ النّضج الملفوف بشقاوة الطفولة التي تمنح الحقيقة لبوساً من اللعب الجاد.. من هناك تنطلق الشجاعة والميل الجدّي للحقيقة: فالحقير حقير منذ طفولته.. والحرّ كذلك.. حينما ترسم خطّاً بيانيّاً لبعض اللّازمات التي تحتاجها المغالطة لكيلا تمرّ مروراً عاريّاً تجد أنّ الأمر يفوق الحدّ.. وهكذا تفعل الصحافة والتلفزيون والمحلل السياسي الذي يريد أن يقول أشياء ويقصد أخرى.. تستطيع أن تحوّل كلّ هذا إلى كرسي المريض.. ذلك لأنّ المغالطة وإن كانت استراتيجياً منتجة بالمعايير الاقتصادية-السياسية، إلاّ أنها تتطلّب مرض الذّات واللّغة..
يأتيك الخبير الاستراتيجي أو سمّه ما شئت في زمن الفوضى والرداءة السائلة إن شئت القول، ويستعمل طرائق في التحليل تتحرّك يميناً وشمالاً ليس الغرض منها تنسيق المقدمات الضرورية في حجاج ما كان يتطلب كل هذا الشّقاء في التّلوّي وتكثير المقدّمات ما دام المنطقي قد يلتقط النتيجة من المقدمات الأولى، بل ليس كل متلقٍّ في حاجة إلى المنسوب ذاته من المقدمات، فهذا ما تحدده نباهة المتلقيّ وليس المخاطب وإلّا فهي المغالطة… وإنما الغرض من تكثير المقدمات بما فيها المقدمات الحشوية هو إنهاك المحاور أو المتلقّي لكي يسلّم له بالنتيجة لينهي ملحمة من التعذيب الممنهج للمحاور أو المتلقّي.. إنها الهشاشة المنطقية التي تطبع كل أشكال الحجاج والبوليميك السياسي.. وبينما يتم استعمال المفاهيم الجديدة والإحالات المغالطة تستطيع أن ترى أنّ المضمون والنقاط ذاتها التي تتكرر في كل أشكال الحجاج التلفزيوني يعاد بناؤها بأساليب مخاتلة.. في مثل هذا الوضع لاحظنا أنّ الكثير من المحللين والإعلاميين المحسوبين على الليبراليين واليسار لا يفعلون أكثر من إعادة إخراج مضمون الخطاب الرجعي بتوزيع جديد وإدارة مخاتلة للمصطلح.. ولكن المحلل ذاته حين الحديث عن الرجعية يعلن موقفاً مضادّاً لها.. لقد أصبحت التلفزيونات العربية في معظمها عبارة عن تمرين «وهّابي» بألفاظ متنوعة وأساليب شتّى.. والمشكلة تكمن في الهشاشة المنطقية وضعف وعمى كبير على مستوى تاريخ الأفكار.. وفي بيئة متلقٍ تلفزيوني تتألّف من جمهور سيكون من المنطقي ألا يكون على دراية متخصصة بأساليب صناعة المغالطة أو تاريخ الأفكار..
هل يجب على الجمهور أن يكون ملمّاً بالدرس المنطقي ليعلم حركة وهسيس المغالطة؟
ذلك الشرط المنطقي من التبرير الذي يعطي المتلقي الحق في الاستهلاك المفرط والمشروع للمغالطة.. ليس هناك شيء نستطيع أن نعمله، فالمتلقي منطقي في هذا الاستهلاك، إنّه ذلك الشكل الخطير مما نسمّيه الميكرو- غالطة.. وكل ما يفعله الإعلام، ولا سيما التلفزيون الذي يهيمن على اهتمام المشاهد، هو الممارسة الأقصى للخطأ (= الخطيئة) والتي تتطلّب نباهة وذكاء كوانتيّاً في استيعاب ظواهر ميكروفيزياء المغالطة.

*كاتب من المغرب

::طباعة::