منذ انطلاق «الربيع العربي» المزعوم في مطلع العام 2011 ونحن ندرك أن ما يحدث داخل مجتمعاتنا العربية لا يمكن أن يكون حدثاً عفوياً، ظهر في دولة ثم انتقل بفعل العدوى إلى دولة أخرى بالطريقة والأسلوب نفسهما تقريباً وبالمزاعم والتحركات نفسها، بل بالشعارات والوجوه المتصدرة للمشهد نفسها، وخاصة أن خبرتنا بالمجتمعات البشرية تؤكد خصوصية التجارب التاريخية والممارسات الإنسانية لكل مجتمع، فإذا كانت الشعارات التي تبلورت تؤكد أن الظلم الاجتماعي والاقتصادي هو المحرك الأول لهذا «الربيع» فإن انطلاق الشرارة الأولى من تونس تبدو غير منطقية على الإطلاق، في حين بدت الأمور في رأي بعضهم «منطقية إلى حدٍّ كبير» بالنسبة لدول تعاني فيها الأغلبية العظمى من المواطنين من ظلم اجتماعي واقتصادي واضح، وبالطبع ما شهدته ليبيا لم يكن له أي مسوغ على الإطلاق في ظل ما كان متوافراً للشعب الليبي على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وما حدث في سورية لم يكن يتوقعه عقل في ظل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي اقترب من الاكتفاء الذاتي، لذلك لم تكن احتمالية المؤامرة بعيدة عن حسابات أي شخص يمتلك حدّاً أدنى من الوعي الاجتماعي والسياسي.
ومن خلال التأمل السريع أدركنا أن هذه النيران المشتعلة داخل مجتمعاتنا العربية يربط بينها رابط واحد، وتقف وراءها قوى واحدة منظمة تخطط وتنفذ مشروعاً محدداً بدقة متناهية، فليس من قبيل المصادفة أن يكون السيناريو واحداً في كل المجتمعات، تحركات شعبية واحدة ترفع الشعارات نفسها وتطالب بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية، وسرعان ما تتطور بشكل مذهل لتطالب بإسقاط النظام، ثم يظهر فجأة في صدارة المشهد أصحاب اللحى الكثيفة من «أمراء» التنظيمات التكفيرية الإرهابية لكونهم البديل الوحيد المتاح «لتولي السلطة»، في الوقت الذي يتم الترويج للفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية، وفي محاولة لجعل اشتعال النيران مستمراً عملت الآلة الإعلامية الجهنمية الجبارة طوال الوقت لاستثارة الجماهير، وخرجت «الزعامات» السياسية في العالم لتدعم ما يحدث من فوضى وتؤكد «شرعيتها» وقبول صعود التنظيمات التكفيرية الإرهابية لسدة الحكم عبر فوهات المدافع أو أي طريقة أخرى.
وهنا أدركنا أن العدو الأمريكي هو من يقف خلف هذا «الربيع العربي» المزعوم، فلديه مشروع معلن اسمه «الشرق الأوسط الجديد» يسعى من خلاله إلى إعادة تقسيم المقسم وتفتيت المفتت داخل هذه المنطقة. وكان العدو الأمريكي على وعي تام منذ اللحظة الأولى أن أهم العقبات التي سوف تعترض طريقه بشدة، هي عقبة الجيوش الوطنية العربية وخاصة الجيش المصري والجيش العربي السوري، حيث لا يمكن أن تقبل هذه الجيوش الوطنية عملية التقسيم والتفتيت لأوطانها، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المؤامرة، لذلك لابد من تفكيكها وإضعافها من خلال استجرارها إلى حروب شوارع وعصابات مع التنظيمات التكفيرية الإرهابية سواء الموجودة في الداخل أو المتسللة عبر حدود هذه المجتمعات، وبالفعل دارت عجلات المخطط، لكن الجيش المصري البطل أدرك حقيقة المؤامرة مبكراً وقام بإفشالها ومازال يحاصر ويحارب الجماعات التكفيرية الإرهابية التي تعمل بالوكالة لدى العدو الأمريكي في سيناء، أما الجيش العربي السوري فقد كانت معركته أكبر مع العدو الأمريكي الأصيل في هذه المؤامرة ومع التنظيمات التكفيرية الإرهابية التي تعمل بالوكالة وانتشرت على معظم الجغرافيا العربية السورية.
وبالطبع يدرك العدو الأمريكي أن أحلامه قد تحطمت على صخرة الصمود العربي السوري، لذلك يحاول الآن «تعطيل» انتصارات الجيش العربي السوري المدوية على الإرهاب، والذي لم يعد أمامه إلا معركة إدلب آخر معاقل الإرهابيين على الأرض السورية ويعلن بعدها انتصار سورية المؤزر في حربها الكونية وهزيمة أمريكا ومشروعها، لذلك يُطرح السؤال: ماذا حصد العدو الأمريكي من هذا «الربيع العربي» المزعوم؟ والإجابة بالقطع أنه قد حصد الكثير فقد تمكن من زيادة الفُرقة داخل الصف العربي، وقام بالإطاحة ببعض الحكام العرب وزعزع الاستقرار السياسي داخل هذه الدول، واستطاع أن يدمر البنية التحتية لبعض الدول العربية، وقام باستنزاف أموال الرجعية العربية التي مولت التنظيمات التكفيرية الإرهابية، وقام ببيع السلاح لدول عربية هي في الأصل لا تمتلك جيوشاً، وزاد من قواعده العسكرية في المنطقة في إطار حماية الرجعية العربية، ومكّن العدو الصهيوني من تهويد القدس وإعلانها «عاصمة أبدية» له من دون أن يتحرك ساكن لمعظم الحكام العرب، وانصرف بعض العرب لصراعاتهم بين بعضهم وتركوا ساحة الصراع مع العدو الصهيوني.
لكن رغم كل هذا الحصاد لم يجنِ العدو الأمريكي ما كان يخطط له ويحلم به، فقد أصبح «مشروع الشرق الأوسط الجديد» مؤجلاً لأجل غير مسمى، وخسرت أمريكا قطبية العالم المنفردة بعد صعود روسيا القوي ليشاركها القطبية من جديد، وفقدت أمريكا هيبتها أمام الرأي العام العالمي الذي تأكد أنها تدعم الإرهاب على الأرض العربية السورية، وفقدت قدرتها على أن تكون طرفاً رئيساً في شأن سورية، وسوف تخسر حلفاءها تباعاً لخداعها لهم وعدم قدرتها على الوفاء بما وعدتهم به، وأصبحت هناك موازين قوى جديدة في المنطقة حيث قويت شوكة المقاومة وهو ما يسبب رعباً للعدو الصهيوني، لذلك لابد من أن تستفيد مجتمعاتنا العربية من هذا الحصاد الأمريكي المر، وتضمد جراحها وتحاول أن تعيد لحمتها لأن هذا العدو الأمريكي لن يتركنا نعيش في سلام، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

::طباعة::