في رده على مندوبة بريطانيا في مجلس الأمن الدولي، أكد الدكتور بشار الجعفري مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة أنه لا يوجد شيء اسمه «النظام السوري» وأنه يمثل الجمهورية العربية السورية العضو المؤسس في الأمم المتحدة، وأن عليها البحث عن مندوب «النظام السوري» خارج قاعات الأمم المتحدة.
فرح السوريون ومؤيدوهم بهذا الرد الذي رأوه مفحماً لغطرسة دولة استعمارية لن ننسى أنها وشريكتها فرنسا أساس مصائب أمتنا، والرد السوري لم يكن من باب البلاغة أو المناكفة، لكن الدبلوماسية السورية قدرت (وهي محقة) أن استعمال تعبير «النظام السوري» ليس من قبيل الهجوم السياسي على الدولة السورية، ولكنه لوضع الدولة السورية على قدم المساواة مع العصابات الإرهابية المسماة «المعارضة المسلحة»، ومحاولة للالتفاف على شرعية الوجود الرسمي السوري داخل الأمم المتحدة. يأتي الموقف البريطاني، متزامناً مع العدوان الفرنسي– الصهيوني على مدينة اللاذقية، فما الذي أيقظ قوى الاستعمار القديم من رقادها، وهل تقوم بدور أصيل أم إنها ذراع أخرى من أذرع المشروع الأمريكي؟ والسؤال الأهم: لماذا هذا الهجوم الدبلوماسي والعسكري بعد أن أنجزت تركيا وروسيا اتفاقاً حول إدلب اعتقد الجميع أنه أقرب إلى وجهة النظر الأمريكية التي تحاول تجنب المعركة في إدلب.
على الجانب الآخر من البلاد، وفي منطقة شرق الفرات بالتحديد تزعم الولايات المتحدة وفرنسا أنهما تخوضان معركة ضدّ ماتسميانه جيباً لـ«داعش»، وهي الحملة المستمرة منذ أكثر من أسبوعين من دون أن تحقق ولو تقدما بسيطاً يصلح كمادة لـ«خبطة» إعلامية أو صحفية. في لحظة معينة بدت الصورة على الأرض على الشكل الآتي: سورية تتعافى سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، الجيش العربي السوري يتقدم نحو إدلب ومسألة حسمه المعركة مسألة وقت لا أكثر، أي تورط عسكري أمريكي مباشر أو غير مباشر يمكن أن يطيل أمد المعركة، لكنه سينتهي بهزيمة أشد إيلاماً وتأثيراً، دعم الحليفين الإيراني والروسي واضح وغير قابل للشك، بعد أن تلاشت أساطير وأكاذيب وجود خلافات بينهما… بعبارة أخرى: انطبقت على الوضع مقولة (أكثر جودة من أن يكون حقيقياً Too Good to Be True)، هذا ما أدركه الحليف الروسي والدولة السورية، وجعلهما متأكدين من أن حلف العدوان لن يقبل بهذا السيناريو، وأن مصالحه ستفرض عليه توجيه ضربة قاسية لسورية، تضع المنطقة على شفير الحرب، أو تؤثر في تقدم الجيش العربي السوري وتسمح للعصابات الإرهابية باسترجاع بعض مواقعها. لذلك وبانسجام تام سوري– روسي– إيراني، تم التعامل مع اتفاق إدلب بشكل يسمح بتحقيق أكبر المكاسب السياسية والعسكرية الممكنة، وكذلك التنسيق السوري– الروسي لمنع تحويل العدوان على اللاذقية إلى معركة كبرى تستدعي تسوية كبرى، لا يحتاجها الحلف السوري– الروسي– الإيراني لأنها ستعوق تقدمه على الأرض.
تبقى صورتان لابد من إضافتهما لتقترب اللوحة «الأحجية» من الكمال، فالصحوة البريطانية– الفرنسية– الصهيونية المشتركة، تعيدنا إلى أجواء 1956، وقد تكون تعبيراً عن قلق هذه الدول الثلاث من الموقف الأمريكي، فهم يعلمون أن أنقرة، رغم الدعاية، لا تستطيع التصرف بالشأن السوري بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، وتالياً فهم يرون أن الولايات المتحدة قد تكون رضيت بمكاسب سياسية واقتصادية على حساب شركائها الأوروبيين، وهو ما يمكن أن نلمحه في تصريح الناطقة باسم البيت الأبيض، عن استعداد الرئيس ترامب لدراسة إمكانية اللقاء مع الرئيس الإيراني روحاني خلال مشاركة الأخير في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حال تقدمت الرئاسة الإيرانية بطلب ذلك، وهو التصريح الذي ردت عليه إيران بدبلوماسية، من أن إيران لا تنوي تقديم طلب لعقد مثل هذا اللقاء، وأنها لاترى جدوى حقيقية في عقده.
الصورة الثانية هي قيام الخارجية الأمريكية بفرض عقوبات على الجيش الصيني بدعوى أنه اشترى مقاتلات سو– 25، ونظام س– 400 للدفاع الجوي، ما يعد خرقاً للحظر المفروض على روسيا، وهو الإعلان الذي تهكم عليه أحد المعلقين السياسيين الأمريكيين بقوله: هل تعلم الخارجية الأمريكية أن الجيش الصيني لا يتعامل مع متعاقدين خارجيين، وأن قيادة الجيش المركزية، بل وقيادة الحزب الشيوعي، هي التي تقرر مصادر شراء السلاح، والسؤال الحقيقي لوزير خارجيتنا: هل تملك القوة والعزيمة لتفرض عقوبات على الجيش الصيني؟ بالنسبة لنا لا نستطيع أن نغفل دور المشاركة الصينية في المناورات الروسية الأخيرة، كعامل في فرض العقوبات على تلك الفرقة الصينية.
اليوم، اللوحة التي تشارف على الاكتمال تظهر تحالفاً يمضي بثبات وبشكل متصاعد نحو التحول إلى قطب اقتصادي– سياسي– عسكري، يتكون من روسيا والصين وسورية وإيران، في المقابل حلف يتصدع ويتراجع، تسود الخلافات بين أطرافه، يدرك أن عليه قبول حقيقة مفادها أن العالم الذي اعتقد ذات يوم من العام 1989 أنه قد امتلكه لم يعد موجوداً، وأنه مهما حاول، فإن عليه القبول بالعالم الجديد الآخذ بالتشكل.

*كاتب من الأردن

::طباعة::