يرى غيرشون هاكوهين العميد المتقاعد من جيش الاحتلال «الإسرائيلي» في بحث فكري- سياسي نشره «مركز بيغين السادات للدراسات الاستراتيجية» في 21 أيلول الجاري أن «تشتت اليهود في القرنين الماضيين في العالم منعهم من امتلاك الثقافة الشاملة التي تعد شرطاً لبناء وجودهم القومي، كما فشل المكون الديني على الرغم من محافظته على وجوده خلال ذلك الزمن في تغيير الشبكة المعقدة للعلاقات الاجتماعية التي سادت بين مجموعاتهم وطوائفهم وبدا أن ظهور اليهود كشعب في نهاية القرن التاسع عشر وتأسيس «إسرائيل» بعد ذلك أخذ يكتسب مرة أخرى مظاهر هذا الشذوذ». وفقاً لما جاء في البحث حرفياً.
وتأسيساً على ذلك يستنتج هاكوهين أن «جدلاً مكثفاً ومتواصلاً حول الرغبة بتحقيق مشروع يهودية الدولة مازال يشكل أكبر تحدٍّ ليهود «إسرائيل» وليهود العالم».
ولا شك في أن ما يتضح من هذا التشخيص لوضع الكيان الصهيوني وموضوع «يهودية الدولة» يثبت عدداً من الحقائق التي تدل على عدم قابلية استمرار هذا الوجود الصهيوني الاستيطاني الذي كان مجرد مشروع هيكل «وطن قومي» جرى إعداده على الورق في مصانع الاستعمار لتنفيذ وظيفة حددتها قوى خارجية وتمكنت من المحافظة على استمرارها من دون وجود أي عوامل طبيعية حقيقية لشعب ودولة لأن قطع هذا الهيكل عن القوى الاستعمارية الوظيفية التي تمده بوسائل الاستمرار سوف يؤدي إلى تفكيكه وإنهاء وجوده.
وكان ديفيد بن غوريون رئيس أول حكومة صهيونية قد اعترف في الستينيات قائلاً: بموجب ما جاء في هذا البحث أنه «بعد عشرين سنة على تأسيس «إسرائيل» لا تزال يهودية الدولة التي تطلعت إلى إنشائها لم يتحقق وجودها ولا أحد يعرف متى سوف تظهر» ويضيف هاكوهين أن بن غوريون لم يكن يقصد «دولة لليهود بل يهودية كاملة للدولة».
ويبدو من الواضح أيضاً أن المعضلة التي يواجهها المشروع الصهيوني من نواح فكرية وسياسية لتسويغ استمرار حياته بدأت تولد جدلاً وخلافاً بين علمانيين ومتدينين صهيونيين وكذلك بين يهود سلفيين في وجه يهود متدينين صهيونيين حول مستقبل هذا المشروع في ظل تطورات إقليمية وعالمية تحمل معها ازدياد الشكوك عند الكثيرين من يهود العالم ومن نسبة من يهود الكيان الصهيوني بجدوى التعرض لخطر الموت من أجل ما يسمى «الوطن القومي» الذي أصبحت العولمة والليبيرالية العالمية ونظمها السياسية الحديثة تقلل بشكل واسع من الحاجة لفكرته الزائفة عن وجود «مشكلة يهودية» تتطلب حلاً لليهود بإنشاء «دولة قومية» لهم في فلسطين وهي الفكرة الاستعمارية الصهيونية التي روّجها مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل لكي يدفع بالقوى البشرية اليهودية في أوروبا كطلائع مجندين لمصلحة الاستعمار البريطاني والفرنسي في الحرب العالمية الأولى للاستيطان في فلسطين. فالكل يلاحظ في هذه الأوقات التناقص غير المسبوق في عدد المهاجرين اليهود من الخارج إلى الكيان الصهيوني مقابل ازدياد أعداد اليهود المستوطنين الذين يستفيدون من استعادة مواطنيتهم في الدول الأوروبية الغنية مثل ألمانيا ولذلك يصف أحد المحللين اليهود الأميركيين الكيان بأنه أصبح لا يضم سوى المجندين والعسكريين والمستفيدين من استمرار بقائهم لأنهم لا يحظون بما يحظى به المستوطن الذي جاء من أوروبا الغنية حين يستعيد جنسيته من موطنه الأصلي الأوروبي ويعود إليه.
ولذلك، كان من بين أهداف طرح موضوع «يهودية الدولة» قبل أشهر في «الكنيست» إفراغ فلسطين المحتلة من أصحابها لمصلحة منح المزيد من أراضيهم ومصادر ثرواتهم لليهود المستوطنين لأن ترحيل ثلاثة ملايين أو أكثر من الفلسطينيين من فلسطين المحتلة يعني توزيع أراضيهم وثرواتهم على اليهود المستوطنين من دون أن يشاركهم فيها حتى ولو بأدنى الحدود أصحاب الأرض الحقيقيون، كما يتخلص المستوطنون من هذه القنبلة البشرية التي تشكل بمقاومتها وصمودها أكبر تحد لاستمرار حياة المشروع الصهيوني ومصيره المحتوم.
«فالقيادة» الصهيونية تسعى في هذه الظروف إلى إطالة عمر هذا المشروع والاستمرار في تحقيق أهدافه في مواجهة التطورات التي بدأت تهدد بفواعلها الخارجية الإقليمية والأخرى الداخلية الناجمة عن ازدياد أزماته البنيوية مصير هذا الكيان. أما من ناحية استمرار حاجة القوى الاستعمارية لوظيفته فهي لا تزال موجودة لكن دوافع قواه البشرية على تنفيذها بدأت تتناقص وتتآكل في مواجهة قوى محور المقاومة وازدياد قدراتها العسكرية والصاروخية.
وهذا ما تؤكده مصادر عسكرية صهيونية حين تعلن أنها لا ترغب في خوض حرب شاملة على جبهة الشمال وتفضل الاستمرار في شنّ الغارات التكتيكية بين فترة وأخرى.

::طباعة::