ما تفعله الإدارة الأمريكية، اليوم، مع الصين، يندرج ضمن إجراءات تقييد «الحريّة» عندما تتضاد مع مصلحة السيّد الأمريكي، أو تخفّض من حجم سيادته على الكوكب، وهذه الإجراءات هي بالطبيعة عكس ما تتغنى به واشنطن دوماً عن إيمانها بـ«حرية التجارة»، فترامب اليوم يصعّد باتجاه فرض سياسات حمائيّة على المستوى التجاري في مواجهة البضائع الصينية، متذرّعاً بأشياء على شاكلة: أ- ملكيّة الحكومة الصينية لكثير من المنشآت (كأنه محرّم أن يملك عموم الشعب عبر حكومته، مؤسسات يصب عائدها كاملًا في جيوبه!)، ب- مساعي الصين لإيجاد وسائل تنقل عبرها التكنولوجيا الغربية إليها، عبر دفع الشركات الأمريكية الراغبة في الدخول إلى السوق الصينية إلى تقاسم مهاراتها التقنية مع شركاء محليين، بينما يعدونه «انتهاكاً لحقوق الملكيّة الفكرية»!.
وقد بدأ هذا الأسبوع تطبيق فرض رسوم أمريكية على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار، كذلك دخلت حيز التنفيذ رسوم فرضتها بكين كردّ فعل مستحق على منتجات أمريكية بقيمة 60 مليار دولار. وتراوحت المنتجات الصينية التي طالتها الرسوم الأمريكية بين المكانس الكهربائية والأجهزة المتصلة بالإنترنت، لكنها استثنت ساعات «أبل» الذكية وأجهزة البلوتوث، بينما طالت الرسوم الصينية الغاز الطبيعي المسال.
وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن هذا المسار الذي بدأته واشنطن، ينذر بعواقب وخيمة على عموم الاقتصاد العالمي، وربما يؤثر في نهاية الأمر على النمو بشتى بقاع العالم.
وفي ما يبدو، فإن واشنطن ماضية بعزم في مخططها، فبحسب تصريحات صحفية لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بالتزامن مع التصعيد الأخير، جاء فيها: «إذا أردنا أن نسمي ما يجري بـ«الحرب التجارية»، فنحن عاقدو العزم على ربحها»، متابعاً: «على الصين أن تتصرف كما ينبغي لها كقوة كبرى عالمية، وأن تُظهر شفافية وتحترم دولة القانون»، بحسب رأيه. واشنطن ترغب في ضمان السيادة بمختلف صورها، وتغضب من كون الصين تنافس في هذا المجال على المستوى العالمي، كما لا تسمح داخلياً بأن تبيح أسواقها للمنتجات الأمريكية، وتشترط على الشركات العاملة في السوق الصيني أن تتشارك التقنيات والخبرات مع العناصر الوطنية داخل الصين، وهذا يغضب الإدارة الأمريكية التي تتدخل لتضمن عرقلة تطور غيرها من البلدان. لكن الحرب الأمريكية على الصين لا تأخذ الشكل الاقتصادي وحده، بل تمتد لمختلف الأشكال التي يمكن لواشنطن عبرها تكبيل «بكين» واستنزافها، فعلى سبيل المثال: تطل المخابرات الأمريكية والإنكليزية، بالتعاون مع الرياض وعواصم خليجية أخرى، برأسها في ملف «شينجيانغ» حيث يتم تحريض بعض الجماعات داخل الإيغور في شمال غرب الصين على تنفيذ أعمال إرهابية والتحرك باتجاه الانفصال، ومن هذه الجماعات «الحزب الإسلامي التركستاني» الذي يحارب عدد من أعضائه اليوم في شمال سورية بالتحالف مع جبهة النصرة وبدعم من النظام التركي، كما تموّل الحكومات الغربية عدداً من المنظمات التي تتحدث باسم قضية الإيغور في العالم (ومن الأسماء المعروفة في هذا المجال، الناشطة: ربيعة قدير)، ويتم التمويل عبر الذراع المخابراتية «الوقف الأمريكي للديمقراطية – نيد»، وتحاول تلك المنظمات الاستثمار في المشاحنات الإثنية وتغذية الكراهية بين سكان «شينجيانغ» المنتمين لعرقيات مختلفة بغرض استنزاف الصين، ودعم نشر الأفكار السلفية المتعصبة، والتي يمكن تحديدها بكونها وهابية مختلطة بالفكر الحاكمي القطبي، كما تقوم الرياض ومعها قطر بتحوير مجهودات الصين الساعية لحصار العناصر والأفكار المتطرفة داخل «شينجيانغ» والزعم بأنها حرب على الدين أو استهداف طائفي، وهو أمر مزعوم نفاه الإيغور أنفسهم، ويدحضه كون «الهوي» وهم القومية المسلمة الأكبر، يتمتعون خارج «شينجيانغ» بحياة طبيعية تماماً، كما تأتي في السياق ذاته الرعاية الغربية لمنظمات «بوذية» (بقيادة الدلاي لاما الرابع عشر)، وهذه المنظمات تدعي تمثيل أهل منطقة التبت ذاتية الحكم، وتسعى لفصلها عن الصين، بل والعودة بها للأحوال الرجعية التي كانت تهيمن عليها، وقد كانت التحركات الانفصالية في «التبت» مسلحة لفترات طويلة من أواسط عقد الخمسينيات وحتى أواسط السبعينيات ودعمتها «السي آي إيه»، فبحسب وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية يظهر أن الحكومة الأمريكية خصصت في تاريخ 9/6/1964 مبالغ مالية ضخمة لدعم المليشيات المسلحة ودعم الدالاي لاما شخصياً، كما تأتي في سياق الحرب الأمريكية على الصين إثارة المشكلات الجديدة في «ميانمار» أو الاستثمار في الأزمات الموجودة بغرض التمهيد لتوسيع التدخل الغربي هناك، وحث الحكومة على الابتعاد عن الصين. ولا شك في أن السياسة الصينية التي امتنعت عن التصويت بمجلس الأمن لمصلحة قرار التدخل العسكري في ليبيا بـ 17 آذار 2011، ثم الداعمة لدمشق في وجه المؤامرة التي تعرضت لها على مدار الأعوام السبعة الماضية، واستخدامها حق النقض «الفيتو» لعرقلة صدور قرار من مجلس الأمن يدين الدولة السورية أو يفتح المجال للتدخل العسكري الغربي.. يأتي انطلاقاً من وعي لدى «بكين» بأن المعركة ضد الأطماع الغربية يجب أن يتم خوضها كتحالف، وأن تدمير جبهة المقاومة العربية سيعزز قوة واشنطن، وسيفتح الطريق إلى الصين وغيرها، وجاء الموقف الصيني المعارض للمخططات الغربية في الوطن العربي، ولاسيما في الحالة السورية، ليرفع معدل استياء العقلية الأمريكية من الصين الصاعدة اقتصادياً، ويحثها أكثر نحو استهدافها.

*كاتب من مصر

::طباعة::