في الأدبيات الماركسية العمل الفني الشاهد على عصره هو العمل الأفضل، بإطلاق دلالة الأفضلية، بما في ذلك الأفضلية الفنّية، ثمّ جرى تضييق مفهوم الشهادة على العصر إلى حدود آلية تحوّل فيها العمل الفني إلى ما يشبه طرحاً لمعادلة رياضية مبسّطة بطريقة الناتج الحسابي لجمع عددين بسيطين، فكان الالتزام بقضايا الطبقات الفقيرة، وفي مقدمّتها «البروليتاريا» هو المحدد الأساس لـ (فنّية الفن) والمعيار الوحيد ليحظى بالقبول الرسمي خلال المرحلة الستالينية داخل الاتحاد السوفييتي الذي لجأ إليه ناظم حكمت بعد مقاساة السجن التركي الفظيع، وتمكّنه من مغادرة تركيا هرباً، بوصفها سجناً كبيراً، وفي تلك الفترة الخصبة من عطاء الشاعر كتب مسرحيته المعروفة (جوهر القضية) التي يأخذ فيها على سدنة الثقافة (السوفييتية) ما رآه ضيقاً شديداً، ومحدودية فظيعة في الرؤية والممارسة، وقد ضرب على تلك المحدودية مثالاً من تاريخ الفن التشكيلي الروسي العريق، والمقصود بذلك لوحة معروفة على نطاق واسع عنوانها (الصباح في غابة الصنوبر) واللوحة مجرد غابة صنوبر تتخللها خطوط أشعة الشمس المرسومة بشكل بديع، وفي الغابة بعض الدببة المعروفة في الأصقاع الروسية، وكان الحوار بين شخصيتين من شخصيات المسرحية متركّزاً حول التساؤل بشأن خدمة قضايا «البروليتاريا» في تلك اللوحة، وإذا لم تكن اللوحة قادرة على خدمة «البروليتاريا» بشكل مباشر، فمن الواجب النضالي إخراجها من متحفها المحتفي بها، ومن قائمة الفن التشكيلي أيضاً. شكّلت مسرحية ناظم حكمت حينها موقفاً شجاعاً بخصوص توسيع آفاق السياسيين والمنظّرين الجاثمين على صدر الثقافة الإنسانية، لا الروسية السوفييتية فقط، وقد حظي هذا التوسيع بترحيب عالمي ضمن الأوساط الماركسية وغيرها، بينما استمر الهجس بإنجاز أعمال فنية (شاهدة على عصرها) هجساً قائماً، ولنا أن نخمّن مدى حماسة الأدباء والفنانين العرب والسوريين، لإنجاز أعمال عظيمة تستمد ّ عظمتها من خلال شهادتها على عصرها، ولنا أيضاً أن نطرح سؤالاً يبدو ساذجاً: هل هناك عمل فني عاجز عن تشكيل شهادة على عصره؟. من الطبيعي أن يحمل أيّ عمل فني ملامح عصره على صعدٍ شتى، ربما كان أقلها شأناً قائماً في المستوى التقني القادر على تمييز يوم عن يوم، وبلد عن بلد، على امتداد التاريخ والجغرافيا، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن ذلك الجهد الذي يبدو في سياق الأعمال (الشاهدة على عصرها) جهداً عبثيّاً، أو عملية ساذجة يرمي من خلالها صاحب العمل إلى التبجّح بأنه قال ما لا يُقال، وأنه رأى ما عجز سواه عن رؤيته، والدليل أنه يصف ما يجري أمامه بتلقائية آلة التصوير.

::طباعة::