سر الفنان فادي صبيح في مسلسل «فوضى» للكاتبين حسن سامي يوسف ونجيب نصير والمخرج سمير حسين هو «الإخلاص»، وهذا الأخير هو اُسلوب تمثيلي يعني باختصار أن تعطي الشخصية ما تستحقه إلى آخر مدى.
الإخلاص لشخصية «أبو الخيل» كان بيت القصيد في الأثر الذي تركه الفنان صبيح فينا، وذلك عبر أداء سلس تنساب فيه تفاصيل الشخصية الصغيرة منها والكبيرة، لتخاطب أحياناً عقولنا، وتخاطب مرة أخرى مشاعرنا العميقة، ومن دون ازدواجية هذين الخطابين لا يمكن لنا أن نتفق على حب شخصية «أبو الخيل» الحافلة بالتناقضات التي تجعل المرء منا عاجزاً عن إصدار حكم قيمة مطلق على الرجل وتصرفاته.
وبحثاً عن القاسم المشترك في تذوق الجمهور وفهمه، يوائم فادي صبيح بين الخطابين عبر ما نسميه «شعبية التعبير»، بوصفه الأسلوب الدافع، الذي يضمن إرسال إشارات قريبة من الجمهور لإثارة أحاسيسه وخيالاته وتعاطفه، وليست لازمة «عمنا» التي ما انفك «أبو الخيل» يرددها خلال المسلسل سوى واحدة من مفردات هذا التعبير.
الحديث عن شعبية التعبير، بوصفه أسلوباً دافعاً، يعني أن صبيح لم يكتف برسم ملامح شخصيته بمحاكاة نماذج مشابهة التقطها من الشارع فحسب، وإنما أراد من أسلوب «شعبية التعبير» أن يكون مفتاحاً يجعل المشاهد يتقبل «أبو الخيل» ويتقبل التعامل معه حتى وهو يؤدي أفعالاً مكروهة.
ولذلك لم تظهر شعبية التعبير في صوت فادي صبيح/ «أبو الخيل» وشكله وحركة جسده فقط، وإنما في فوضى وعفوية عقله ومشاعره وخيالاته وتصرفاته وردود أفعاله أيضاً… وهذا ما يمكن فهمه من ادراك حقيقة أن «أبو الخيل» الذي لا يتوانى عن مساعدة الآخرين، وحل مشكلاتهم، لم يكن يفعل ذلك بوصفه صاحب قضية اجتماعية وإنسانية عادلة، وإنما هو يفعل ذلك بلا وعي وبعفوية ابن الحارة الشهم فقط، فهذا الشهم و(الخدوم) هو تاجر ممنوعات في المقابل، ولهفته لمساعدة الآخرين لا تمنعه من التقاعس والسلبية تجاههم أحياناً، عجزاً أو حتى خوفاً، بمعنى أن «أبو الخيل» لم يكن «روبن هود» بالمعنى الذي عرفناه عن هذه الشخصية في الفلكلور الإنكليزي ولاحقاً في الحكايا والأعمال الدرامية، وإنما كان مقترحاً لـ«روبن هود» جديد هو نتاج منظومة أخلاق مستجدة، مثقلة بالخوف والقلق والعجز والدمار الذي أحدثته سنوات الحرب في اتجاهات تفكيرنا وأساليب حيواتنا، على نحو مشابه لما تركته في دمار الحجر وفجيعة البشر.
وتبقى السيطرة على كل مفردات «شعبية التعبير» في التصميم الشكلي والأدائي لشخصية «أبو الخيل» مؤشراً على البراعة الفنية للفنان فادي صبيح، إذ نجح عبرها في إضفاء أصالة على شخصيته في «فوضى» وأكثر من ذلك، قام بإثرائها بأبعاد جديدة أمام الكاميرا.

::طباعة::