لم تكن ظاهرة تهريب الدقيق التمويني أو المازوت المدعومين رهن أزمة الخبر المفاجئة، التي أحدثتها مافيات هاتين المادتين بغية الضغط على وزارة التجارة الداخلية للتراجع عن قرارها الصحيح بتخفيض كميات الطحين المخصص للأفران لاستمرار مد جيوبهم بملايين الليرات، وإنما عمرها عقود وإن كثرت خلال سنوات الحرب مستغلين فرق السعر بين الدقيق المدعوم والسوق السوداء، حيث تصل أرباح تجار الأفران في كل طن طحين إلى مئتي ألف ليرة، بينما يباع ليتر المازوت بـ130 ليرة وفي الأسواق بـ200 ليرة، محققين أرباحاً خيالية، في سرقة موصوفة للمال العام عبر ذهابها إلى أرصدة الفاسدين بدل تحويلها إلى الخزينة العامة أو إلى جيب المواطن بإنتاج رغيف خبز ذي نوعية جيدة، فكما هو معروف أن بعض الأفران تقوم بتقليص وزن الرغيف في تحايل غير ملحوظ لم يستطع أي وزير حمل حقيبة التجارة الداخلية الكشف بشكل جدي عنه ومحاسبة المتاجرين بلقمة عيش المواطن «على عينك يا معنيين».
«التموين» أعلنت حملتها صراحة على تجار الطحين والمازوت في خطوة إيجابية على طريق كشف الفاسدين ورفع الغطاء عنهم، وهنا لابد من القول: إن المجاهرة بقمع مافيات الأفران يعد أمراً لافتاً، لكنها لا تكفي بالمطلق للحد من ظاهرة تهريب الدقيق التمويني وإيقاف الهدر الكبير الحاصل في هذا الملف، ولاسيما عند العلم أن الدولة تخسر مليارات الليرات حالياً من أجل استيراد مادة الطحين تحديدا ًوقبلها المازوت، حيث يجب اتباعها بقرارات وإجراءات حازمة تنزل أشد العقوبات بالمتورطين بهذه السرقات على نحو علني، حتى يكونوا عبرة لغيرهم، ما يجعل الفاسد الصغير قبل الكبير يفكر ألف مرة قبل الإقدام أو المشاركة بهذا الجرم الاقتصادي والأخلاقي عندما يلمس إرادة جدية وفعلية في فضح المتورطين أمام الرأي العام.
حملة التموين ضد مافيات الأفران ستكون إنجازاً يدون في سجل مسؤولي الوزارة، ولاسيما أنه لم يسبق لأي مسؤول في عهد وزرائها السابقين الاقتراب جدياً من فتح هذا الملف الدسم باستثناء بعض التصريحات الإعلامية بشأن عمليات التهريب وأرقامها الكبيرة المؤثرة في الخزينة، لكن هذا الإنجاز سيظل حبراً على ورق إذا لم تكن هناك نتائج علنية توثق عمليات التهريب وتدين مرتكبيه بالجرم المشهود، وهذا أضعف الإيمان، ومادام مسؤولو التجارة الداخلية امتلكوا الجرأة في رفع الغطاء عن فاسدي الأفران، فالمواطن الذي أعلنت أنها في صفه يستحق جرأة كشف أسمائهم صراحة في وسائل الإعلام ضمن قوائم سوداء لإيقاف النزيف والهدر المستمرين منذ عقود وحتى الآن، فهل تفعلها هذه الوزارة جدياً أم إنها ستكون حملة إعلامية كغيرها من الحملات والسلام؟!.
rihabalebrahim@yahoo.com

::طباعة::