لاحت القافلة من بعيد معلنةً عنها سحابة من غبار, أول من شاهدها كانت زرقاء اليمامة جمعت الرجال من حولها قالت ماذا تأملون أن يكون حملها؟! قال أعرابي لو أنها تحمل كنوزاً من الذهب والفضة لانتعشت أحوال القبيلة وعاشت برخاء !
قال فارس منتش بالنصر: لو أنها تحمل العتاد والعدة لأصبحنا أقوى القبائل وهابنا الجميع!
قالت أم لصبية صغار: لو أنها تحمل الطعام والطيبات فما بقي في القبيلة جائع أو محتاج!
وسأل الحكيم زرقاء اليمامة ما كنت تحبين أن تحمل هذه؟
قالت: لو أنها تحمل رجالا أشداء في الحق رحماء على المساكين لكان في ذلك صلاح القبيلة وإنقاذها من كل من حولها, وهذه مسؤولية لايقدر عليها الضعفاء والمساكين، وإنما ينهض بها الرجال الأمناء الأقوياء بالحق، الذين يعيشون عدلاً.
في ذلك اليوم كتبت زرقاء اليمامة فوق كثبان الرمال :
أيتها الحياة الجميلة بما فيها من مفاجآت وتقلبات.
أيتها الدنيا الحلوة حيناً والمرة أحياناً.
أيتها البشرية التي تجنح للملائكة مرة، وللشياطين ألف مرة.
أيتها العيون التي تنتظر بسمة الفجر من وراء جلابيب الظلام.
أيتها القلوب التي ترتعش أحلامها في عالم الرعب والحرب.
لا تتأملوا من جحافل الظالمين وقفة عدل، ولا تتهافتوا على أهوائكم تهافت الجراد على الزرع، وعليكم إذا أردتم صلاح شأنكم والعالم من حولكم أن تنشؤوا جيلاً أقدامه في الأرض وأحلامه في السماء، يفكر بالقيم والأخلاق قبل أن يفكر بالأهواء والشهوات، ويترفع عن سفاسف الأمور ومفاسد الأخلاق، فلا صلاح للحياة إلا بصلاح أهلها، ولا يصلح أهلها إلا بصلاح عقولهم وأفكارهم.

::طباعة::