آخر تحديث: 2019-11-19 21:09:50
شريط الأخبار

لأنّ عزاءنا بالرسم بالكلمات … الشّعر والتّشكيل بحران ينهلان من بعضهما

التصنيفات: ثقافة وفن

«وصيفك لفحُه عنّى وأضنى.. ألم يلمسك ليلي أو نهاري.. يلوّح في فمي ويديّ كرماً.. وعهداً بالقطاف وجني غار.. أتسمع ضجتي..كرمي تولى.. وجنح التوق من بردٍ ونار».. بهذه الكلمات رسمت الشاعرة زينب حسين قصيدتها ولوّنتها بالحب والشوق، تاركة العنان لعيوننا وخيالاتنا لتشكيل لوحة أخرى في أذهاننا، يقلّ جمالها ربّما أو يزيد على تلك التي رسمتها ودمغتها الشّاعرة بإحساسها، لتدلل كما الكثير من الشّعراء والفنانين التشكيليين على تلك الرابطة القوية بين الشّعر والفن التشكيلي خصوصاً وتكامل الفنون الإبداعية عموماً.

«جسور الجمال بين الشّعر والتّشكيل» عنوان الجلسة السابعة من اللقاء الثقافي الشهري «شآم والقلم» الذي يقام في المركز الثقافي العربي بـ «أبو رمانة»، أسئلة مهمة طرحها الشّاعر أيهم الحوري على المشاركين في هذا اللقاء.

ويبدأ الشاعر محمد منذر زريق مشاركته بالاستشهاد بما قاله الشاعر الراحل نزار قباني: «كلّ الدّروب أمامنا مسدودة، وعزاؤنا بالرسم بالكلمات».. من يتعمق في الشعر يجد أنّ أجمله ما كان مشبعاً بالصور، فالصورة الشعرية التي تعادل الرسم بالكلمة هي ما يبقى من الشعر عندما تتم ترجمته، في حين تتبخر البلاغة والموسيقا والزخارف والقوافي، لذلك نستمتع بشعر طاغور ورامبو وحافظ الشيرازي رغم أن أشعارهم وصلتنا بغير اللغة التي كتبوا بها لأن الصورة بالشعر هي لغة عالمية تشبه الموسيقا والفن التشكيلي، ولعلّ العلاقة بين الكلمة الشعرية والرسم كانت علاقة توءمة دائماً، وهذا ما نلاحظه بين العديد من الشعراء والفنانين التشكيليين في العالم، فالشاعر بودلير تأثّر بالفنان دولاكروا، والفنان ابولينير تأثّر بالشاعر رامبو، كما أنّ الكثير من الفنانين التشكيليين كتبوا الشعر، وقام كثير من الشعراء بالرسم، ومن الأسماء العالمية التي جمعت بين الشعر والرسم ويليام بليك وماكس جاكوب وبيكاسو وجبران خليل جبران وطاغور، وفي سورية جورج عشي وأدونيس وحسين حمزة وفاتح المدرس وغيرهم، ولعل نزار قباني أجمل شاعر برع في الرسم بالكلمات، وكان ملهماً للكثير من الفنانين التشكيليين الذين رسموا من بوح قصائده عشرات اللوحات، بل إن بعضهم أقام معارض كاملة من وحي شعره، لكن من أهم الفنانين السوريين الذين قدموا الكثير من وحي نزار، الفنانان أيمن الدقر وإسماعيل نصرة، وقد قدم كل منهما نزاراً بأسلوب مختلف تماماً، فأيمن الدقر كان يقف أمام القصيدة وقفة الند للند والصديق المحب أمام صديقه الكبير لا ينحني أمام النص ولا يتعالى عليه، بل يعيد صياغته بحب وذكاء وثقافة عالية وبراعة في كل التفاصيل وهذا ما نلاحظه في لوحاته التي تصور أبياتاً من القصيدة الدمشقية، بينما كان إسماعيل نصرة ذائباً في عوالم نزار لشدة الشبه بين لوحاته وشعر نزار حتى يخيل إلينا بأن كل لوحات إسماعيل نزارية الهوى، والكثير من شعر نزار يبدو وكأن إسماعيل نصرة هو من كتبه، صحيح أن إسماعيل قد رسم لوحة سماها لوليتا على اسم قصيدة نزار، لكن مئات اللوحات التي رسمها كان يمكن أن تكون لوليتا.

فنانون كثر استلهموا لوحاتهم من الشعر أمثال الياس زيات الذي استلهم من شعر جبران لوحات عديدة، كذلك فعل الفنان نذير نبعة الذي أعاد كتابة الكثير من شعر محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما باللون والخط، يضيف زريق: حتى الفنانون الذين أرادوا الابتعاد باللوحة عن الأدب والشعر كما صرّح بذلك الفنان فاتح المدرس وغيره في البيان الشهير الذي صدر في ربيع 1962 اتباعاً لفكر الفنان سيزان الذي نادى برفض الفكر الأدبي باللوحة نرى أنهم لم يستطيعوا دائماً الخروج من فضاءات الشعر، فكانت العلاقة الرائعة بين أدونيس والمدرس أنموذجاً لعلاقة الشعر بالفن التشكيلي.

وتحدّث زريق عن تجربته في هذا المجال، تحديداً مجموعته الشعرية «بوح عاشق وحبق» التي نشرها خلال معرض الفن التشكيلي «حالة حبق» في صالة ألف نون في دمشق قبل أكثر من عام، يقول: كانت تجربة فريدة من التأثر والتأثير المتبادلين بين الشعر والفن التشكيلي، لأن أكثر قصائد المجموعة من وحي الفن التشكيلي السوري وقد أثرت قصائدي في العديد من الفنانين السوريين الذين رسموا من وحيها، ومنهم بشار برازي وناجي عبيد وسناء قولي وإسماعيل نصرة وعصام المأمون وأكرم العلي.

اللوحة الحروفية، أنموذج آخر من ذوبان الشعر والتشكيل في روح واحدة، يقول الفنان التشكيلي الحروفي محمد غنوم: الرّسم بالكلمات عنوان مهم لأننا نعرف الحروف العربية ليست فقط نطقاً ومدلولاً، إنّما هي شكل من أشكال الإبداع والجمال، وطرح بعض التّساؤلات من الممكن أن يكون قد أُجيب عنها عندما نحاور الحرف العربي بحميمية وحب وعندما نأخذ منه هذه الصور الإبداعية الجميلة، هناك جمال لا محدود في حرفنا العربي مهما بلغت التّشكيلات والتّكوينات فهناك ما هو أجمل لم نشاهده بعد، ولم تكن هذه المنافسة بين كل فناني العالم على تجميل هذا الخط وهذا الحرف.

تساؤلات وإشكاليات كثيرة طرحها غنوم، أولها الحديث عن الرابط بين شكل الحرف ومدلوله ونطقه، يوضح: هناك تكامل بين هذه العناصر الثلاثة والفكرة التي قالها الكثير من الفنانين التشكيليين الذين عاشوا التجربة الغربية وأدلوا بدلوهم في مجال التشكيل الحرفي في أعمالهم الفنية واجتزؤوا من الحرف وقالوا: إن شكل الحرف ليس مهماً ضمن أسس وقواعد وجمالية خاصة بنا، ووضعوا الحرف من مبدأ أننا نستطيع من خلال أجزائه ومن دون أن يكون هناك ارتباط بين مضمونه وشكله أن نصنع لوحة تشكيلية عربية من دون أن يكون هناك ارتباط بين النطق والمدلول والشكل، أما بالنسبة لتجربتي فتقوم على أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين شكل الحرف ونطقه ومعناه، لذلك لم ألجأ يوماً إلى تحطيم هذه الجمالية.

يقول غنوم: يتحدث البعض عن أنّ الحرف العربي عبر مسيرته كان يكتب بلونين، الأسود والأبيض، وهما لونان جميلان وفيهما إيجاز وتلخيص وبلاغة، لكن من خلال تجربتي أليس اللون قد غمس وتشبع بالألوان؟ ألا يظهر بمظهر جديد يحمل عرساً من البهجة والسرور؟ ألا يمتعنا عندما يكون ملوناً؟، لذلك ألوّن الحروف وأغوص في بحر من الألوان وأصعد منتشياً أحمل كل ألوان الطيف والوطن وأظهر بها فوق سطح الماء، مضيفاً: هناك ارتباط بين اللون ومضمون اللوحة وعنوانها أو تشكيلها، وقد تعرضت للانتقاد على تغلب اللون الأزرق في لوحاتي، ذاك أن لي مع هذا اللون حكايا، فهو اللون الأكثر انتشاراً في عالمنا، إنه لون السماء والبحر، وفي التحليل النفسي اللون الأزرق هو لون النبل وأنا أحبه كثيراً.

اللغة العربية بإجماع ناطقيها ومحبيها من المستشرقين، لغة غنية جداً، كذلك حرفها، لكن هناك من بقي على شكله التقليدي أو المألوف، كبعض الخطاطين، وحجتهم هنا أن الحرف إلى درجة الكمال ولا يمكن اجتيازه بهذه القواعد وهذه الأسس والأوزان، بينما يجيب الحروفي محمد غنوم عن هذا بالقول: بكل بساطة.. أليس هذا الفن هو نتاج إنساني فكيف يقف عند حدود مادام الإنسان يبدع؟ الإنسان يصنع الجمال أينما توجه وكيفما توضع، واليوم من خلال هذه الندوة الجميلة التشكيل يصنع لوحات.

 

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed