لا جديد في العدوان الإسرائيلي الأخير، فالحرب منذ البداية على سورية تتكامل مع الأهداف «الإرغامية» ضدّها لكي تدخل في مفاوضات مع «إسرائيل» و«تخضع» لشروطها.. ولم تكن ثماني سنوات من الحرب بالوكالة على سورية تحت عناوين خادعة – نشط فيها طابور الميديا الخامس لتغيير العناوين وتزوير أهداف الحرب – لم تكن كافية لتحقيق سياسة «الإرغام».. فالذي تخشاه «إسرائيل» تحديداً هو انتصار سورية من دون أن توقّع على أي مشروع.. وتتزامن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة مع تقدّم القوات السورية باتجاه إدلب لتحريرها من التنظيمات الإرهابية العميلة.. إنه شكل من الإلهاء الذي كان متوقّعاً لعرقلة سير القوات المسلحة السورية لممارسة سيادتها الوطنية على الأرض.
ليس الموضوع اليوم عن الإرهاب في سورية وجود تنظيمات متطرفة تمّ تمكينها من السلاح المتطوّر، بل الأمر يتعلّق بسيناريو مكتمل وبأنّ ما يسمّيه إعلام العملاء «المعارضة المسلّحة» هو الوكيل الحصري لتنفيذ أجندة «إسرائيل» في سورية..
استطاع الصمود السوري أن يكشف عن طبيعة التنسيق بين خصوم سورية.. لقد أجبرتهم سورية على أن يكشفوا عن الأقنعة المزيفة.. إنّها الحرب بالوكالة عن «إسرائيل»، وهذه الأخيرة تقصف في ريف العاصمة في محاولة لإشغال سورية عن الإرهابيين في إدلب.
.. وبما أنّ الحرب باتت أوضح من كل وقت مضى، وبعد أن ابتلع الإعلام المضلّل لسانه أمام التطورات الجديدة فإنّ ما سيأتي سيكون أكبر من العملاء والوكلاء، لأنّ المواجهة مع «إسرائيل» باتت خياراً محتوماً في ظلّ الهزيمة المنكرة للتنظيمات الإرهابية ومن يدعمها.. وحيث لم يعد بمستطاع أحد من المحاور الإمبريالية أن يفرض الحرب من جانب واحد، وتالياً فإنّ الاعتداءات الأخيرة ليست سوى آخر ما تبقى من وسائل «الإرغام».
استطاعت سورية أن تُخرج «إسرائيل» من خلف الستار لتظهر كطرف في الحرب، تلك الحرب التي وضعوا لها مساحيق لإغواء الأغبياء على امتداد مساحة العالم العربي: عدوان إمبريالي بماكياج «ثورجي» فرض عليه الصمود السوري أن يكشف عن أنيابه الإرهابية.
.. هناك محاولة لربح مزيد من الوقت لإنجاز سيناريوهات جديدة من أجل مزيد من الإلهاء.. ويظهر اليوم أنّ الأمريكيين بحاجة إلى مزيد من الوقت لاستعمال الأزمة في الشرق الأوسط فزاعة لمزيد من حلب البقرة.. أما «إسرائيل» فهي في وضع حرج لأنها تعيش تحت ضغط الزمن واختناق الجغرافيا.. الاعتداءات التي تنفذها – كردّ على التوافقات والاجتماعات والتحضيرات التي عرفها الحلفاء عبر لقاءات مكوكية.. وتحسباً لأي مفاجأة – جاءت للتشويش.. إن الحرب على سورية لا يمكنها أن تكون أبعد مما تتحمله المنطقة.. فأي مبادرة للحرب ستفتح المنطقة على مقدمات حرب عالمية حقيقية.. فلو كانوا قادرين على خوض هذه الحرب لكانوا فعلوا ذلك قبل ثماني سنوات وقد كانت تكلفتها أقل من الآن.. الكبار وحدهم يدركون أن توازن الرعب في المنطقة مانع من قيام حرب أكبر من هذه.. غير أن الصغار والعملاء ما زالوا ينتظرون قرار الغزو الأمريكي لسورية، وهو غزو سيكلفهم أكثر مما كلفهم في فييتنام.. إنّ دفاعات محور مكافحة الإرهاب تشكل تهديداً كبيراً لكل مغامرة بالحرب.. لقد انتهى زمن التفرد بالسيادة على الجو..
ستبقى القضية وصمة عار في جبين موقف الأنظمة العربية العميلة التي لاذت بالصمت.. جامعة الدول العربية التي أعلنت عن إفلاس كبير..الإعلام العربي الذي يبحث عن اللغة المناسبة لتحريف دلالة الحدث كالحديث عن أن «إسرائيل تستهدف مواقع إيرانية أو تابعة لحزب الله»، فهذا العدوان هو واقع على الأرض السورية التي تخاض فيها أكبر الحروب ضد الإرهاب، وهي أرض سيادية بموجب القانون الدولي..
ويبقى محور مكافحة الإرهاب في كامل الجهوزية لخوض هذه الحرب ، وسوف تنتهي كل «المواويل» الأجنبية البليدة التي تحدثت مراراً عن الجولان، ذلك لأنّ قواعد الاشتباك تشهد تغييرات متصاعدة.. خصوم سورية الكبار في حيرة أمام هذا الصمود.. سورية تجردهم من الأقنعة ليخوضوا المعركة مباشرة، وهم عاجزون عن ذلك.. ويبدو أن أمام سورية فرصة الرد ليس فقط بالمضادات التي استهدفت طائرات العدوان وأسقطت عدداً من الصواريخ بل الرد عبر الإصرار على تحرير إدلب والضرب بيد من حديد لأن ذلك من شأنه أن يوجع خصوم سورية.. اليوم تحرير إدلب هو محور التحدي القادم.. لقد حاولوا افتعال مسرحية جديدة بشأن «الكيماوي» ثم حاولوا هذه المرة عبر العدوان الإسرائيلي. .. مثل هذا قيل عن تحرير حلب وحمص والغوطة، فإدلب على الطريق، ولم يعد أمام «النصرة» سوى أن تغير العنوان لتنجو من الملاحقة ولتظهر بعنوان جديد مضلل.. الإرهاب في سورية يعمل وفق «كان وأخواتها» وسوف يُقهر كما قهُر في مناطق أخرى.. إدلب ستتحرر.. بين التلويح بالحرب والعجز الاستراتيجي عن خوضها تكمن الفصول الأخيرة لانتصار سوريّ، على العالم أن يستعدّ له قريباً، بقليل من الحقد وكثير من الشجاعة للاعتراف بنذالة الحرب على سورية.

*كاتب من المغرب

::طباعة::