المؤامرة على وطننا العربي كتاب مفتوح، ومن المهم توثيق ما يجري ضمن فصولها، وذلك ليس للمستقبل فقط، إنما للحاضر أيضاً، حتى يعرف المواطن العربي ماهية عدوه أكثر، ومَنْ هي الجهات التي دعمت المخربين السلفيين والانفصاليين في بلاده؟
وفي الشهر الجاري أيلول حصل أمران يلزم توثيقهما وإلقاء مزيد من الضوء عليهما.
أ- العدو الصهيوني يعترف مجدداً بدعم المؤامرة على سورية.
ففي السادس من أيلول الجاري، جدَّد الكيان الصهيوني اعترافه بدعم العصابات الإرهابية في سورية، حيث نشرت صحيفتا «هآرتس، وتايمز أوف إسرائيل» وصحف غربية كـ«مجلة فورين بوليسي» معلومات تفصيلية عن دعم جيش الاحتلال الصهيوني للتنظيمات الإرهابية في جنوب سورية (على الأقل 12 فصيلاً) وهذا الأمر يعيد للذاكرة ما كان قد تم نشره على مدار السنوات الماضية، حيث ذكرت مراكز بحثية صهيونية، وكذلك صحف كـ «وول ستريت جورنال» معلومات عن الدور الذي يلعبه جيش الاحتلال في المؤامرة الجارية ضد سورية عموماً وفي الجنوب بالأخص. ففي حزيران 2017 ذكرت الصحف نقلاً عن مصدر أن العدو الإسرائيلي أقام «وحدة عسكرية خاصة» تشرف على تنسيق الدعم لهذه التنظيمات، كما خصص ميزانية محددة لذلك، فضلاً عن اعتراف العدو علناً بمعالجة نحو 3000 من الإرهابيين في مستشفياته منذ عام 2013.
في بداية المؤامرة كانت الأخبار المنشورة بخصوص الدعم الصهيوني تشير إلى أنه عبارة عن «مساعدات غذائية وملابس أو استضافة الجرحى في المشافي فقط»، ثم صارت الأخبار تتحدث صراحة عن الدعم بأسلحة شملت البنادق الهجومية والمدافع الرشاشة وقاذفات الهاون وسيارات النقل، وتم نقلها جميعاً من خلال ثلاثة معابر «حدودية»، وبراتب شهري لكل فرد في التنظيمات الإرهابية بلغ 75 دولاراً، مع دفع المزيد من الأموال للتنظيمات الإرهابية التي تشتري المزيد من الأسلحة.
ويقول الكيان: إن تدخله هو لمنع خروج سورية قويةً من الحرب ملهمةً لمحيطها طامحةً لتحرير الأرض المحتلة مواصلةً دعمها لفصائل المقاومة العربية في فلسطين ولبنان، إضافة إلى هدف صهيوني رئيسي يتمثل في استخدام تلك التنظيمات الإرهابية في منع فصائل المقاومة العربية كحزب الله (أو أي مجموعة ضمن محور المقاومة) مما يسميه الكيان الصهيوني التمركز في جنوب سورية على مقربة من الأرض المحتلة خشية تنفيذ أعمال مقاومة مسلحة، كما أن الحديث الصهيوني يدور حول استخدام تلك التنظيمات الإرهابية القريبة مما يسمى «الجيش الحر» أو «السلفية القاعدية» للتصدي للسلفية «الداعشية» ودفعها بعيداً عنها، أي إن حكومة الاحتلال لا تستحي من تدخلها وتسليحها لتلك التنظيمات الإرهابية، فهي تقدمه لكونه شيئاً يستحق جلب الثناء من جانب الشارع الإسرائيلي. وفي الأساس إن كل اعتداء نفذه الطيران الصهيوني ضد مواقع الجيش العربي السوري والقوات الحليفة له على مدار الأعوام الماضية ومستمر حتى الساعة، كان ومازال يؤدي مباشرة لدعم التنظيمات التكفيرية «الجهادية»، وكذلك لمساعدة بعض الميليشيات الانفصالية في الشمال.
كما أنه لا فارق عملياً بين أن يأتي الدعم للعصابات «الجهادية» من الكيان الصهيوني أو حكومة أنقرة أو أنظمة الخليج بعدِّ كل ما سبق من أدوات في خدمة مشروع نهبوي غربي.
ب- أردوغان يحرض الغرب على عدوان على سورية ويسعى لتعطيل تحرير إدلب.
أما في الـ11 من الشهر الجاري فقد قام الرئيس التركي رجب أردوغان عضو حلف ناتو، وأحد وكلاء المخطط الأمريكي من غرب الصين لشرق أوروبا، والناهب الطامح في القضم من أرض العرب.. بكتابة مقال في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية – نكرر الأمريكية – للتحريض ضد العملية السورية المنتظرة لتطهير إدلب من التنظيمات الإرهابية.
في هذا المقال حرّض أردوغان أمريكا والاتحاد الأوروبي على التدخل لمنع الجيش العربي السوري وحلفائه من استعادة إدلب، وسمى العملية بـ«المجزرة المتوقعة». وعاتب ولام – هكذا من دون حياء – واشنطن لأنها تركز فقط على التدخل في حالة «استخدام» سلاح كيماوي، بينما يفترض بها التدخل حتى مع «استخدام أسلحة ثقيلة».
في الحقيقة الدور الذي يلعبه أردوغان من خلال هذا المقال هو غيض من فيض جرائم قام بها منذ 2011، فالإرهابيون التكفيريون (الوهابيون القطبيون) الذين دخلوا لتخريب سورية والعراق عبروا من خلال الأرض التركية، كما أن الدعم الأمريكي الذي وصل لهم جاء عبر عدد من المنافذ منها تركيا، هذا إضافة إلى الدور الإعلامي التحريضي، ناهيك بجرائم تدخل الجيش التركي بغرض الاستيلاء على الأرض العربية السورية بذرائع مختلفة.
أردوغان كذلك، أيّد كل الاعتداءات الأمريكية على سورية، ولم يتخلف في مناسبة واحدة، بل عبر عن غضبه من واشنطن ذات مرة لأن التدخل ليس كافياً!! ففي نيسان 2017، وصف أردوغان القصف الأمريكي لسورية بـ«الخطوة الإيجابية» مطالباً بالمزيد لكون الضربة غير كافية، مشيراً إلى ضرورة الاتجاه نحو إنشاء «مناطق آمنة»، وفي نيسان 2018 أشاد أردوغان بالاعتداءات الجوية التي ارتكبتها القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية بحق سورية مهرطقاً: «كان يجب الدفاع عن الشعب السورى البريء منذ فترة طويلة!».
من هم الذين يسخرون من وجود المؤامرة على بلادنا؟
في الواقع فإن الذين يسخرون من وجود مؤامرة تنفذها واشنطن وأذنابها على بلادنا، هم أنفسهم يؤمنون – إن كانوا «ربيعيين ملوّنين»- بأن هناك مؤامرة خفية أعدتها أجهزة مخابرات غربية وعربية لتحريض الشعب ضد «نخب الربيع العربي» ولولا ذلك لكان الشعب ودوداً تجاه تلك النخب المموّلة من الخارج والمفارقة للواقع العربي بالكليّة!، أما إن كانوا سلفيين إسلامويين فإنهم يؤمنون بأن هناك مؤامرة خفية لمنع الفتيات من ارتداء النقاب ولتحريضهن على العمل بعد إنهاء الدراسة، وذلك لـ«تدمير المجتمع المسلم!».
تثبت الأحداث أنه ليس أكثر من الإسلامويين و«الربيعيين» هوساً بفكرة المؤامرة، وغرقاً بالأوهام، وهم فعلاً من حوّلوا مصطلح «المؤامرة» إلى مسخرة ! أما فريقنا فإنه يتحدث عن المؤامرة بشكل واقعي مستند إلى المعلومة، ويتناولها لكونها مساراً تخريبياً يتعاون مع العناصر الرجعية والانفصالية داخل مجتمعاتنا، والهدف هو عرقلة تطورنا واستنزاف قوانا وتفتيتنا من الداخل، ويهدف المتآمر من خلال ذلك في النهاية إلى تركيم المكاسب المادية.

*كاتب من مصر

::طباعة::