أمس اكتشفت دفتراً مدسوساً في المكتبة، بين مجموعة من الكتب, إنه مسودة إحدى رواياتي الأولى، لا أعلم لمَ احتفظت به إلى اليوم؟ ربما كذكرى قديمة تنتسب إلى زمن الورق والخط اليدوي، مثلها مثل الصور المطبوعة على كرتون في الألبومات القديمة، أو مثل أشرطة الكاسيت، قبل أن أنتقل إلى الكتابة على الكمبيوتر مباشرة، بعد تمرينات معقّدة.
اليوم لا أتردّد لحظة واحدة بالانتصار للكمبيوتر في الكتابة، ذلك أن الكتابة على شاشة الكمبيوتر، كانت أشبه بمصباح أديسون، ليس في وداع الورق فقط، إنما في إضاءة طريقة التفكير أيضاً.. الآن لا أستطيع أن أنجز فكرة نهائية باطمئنان إذا لم تشع على الشاشة بإيقاعٍ موزون.. هكذا كتبت أربع روايات على الكمبيوتر مباشرة، ما كان لها أن تنتهي على النحو الذي كُتبت به لو أنها مكتوبة يدوياً، ربما ستذهب إلى مجرى آخر يختلف جذرياً عن المصائر التي ذهبت إليها الوقائع في النسخة الإلكترونية، لكنني في المقابل سأفتقد المسودات الورقية والشطب والأسهم التي كانت تملأ الهوامش بوصفها إضافات لاحقة على النص.
الكمبيوتر مطبخ مفتوح على تعديل النكهات والتوابل، نظراً لسهولة الإضافة والمحو، والقص واللصق، والإطاحة باسم شخصية لمصلحة اسم آخر بكبسة زر واحدة.. لست من أولئك الذين ينظرون برومانسية إلى انتهاء عصر رائحة الحبر على الورق واختفاء مسودات خط اليد، وليس لدي وهم بيع هذه المسودات مستقبلاً في مزاد عالمي ما.. الكتابة على الكمبيوتر علمتني الكثافة والاختزال واصطياد الخطأ بسهولة، وتنقية حقل النص من الأعشاب الضارة بمجرد نظرة واحدة بالعين المجرّدة، في المقابل أعيش رعب فقدان النص بخطأ تقني ما، أو بسبب تسلل فيروس إلى الوليمة أثناء الطهو، وصعوبة إعادة كتابتها بالشهية نفسها، لذلك أقوم بإرسال ما كتبته إلى بريدي الإلكتروني على دفعات خشية ضياعه المباغت.
أجل أنتمي إلى تاريخين مختلفين، روائي الورق المحتضر الذي لا يشبه روائي اليوم، وهو يجلس أمام كمبيوتره باطمئنان إلى كتابة عبارة نهائية وحاسمة. يقول الروائي أحمد المديني: «أتاحت لي هذه التقنية وضع ملفات، وترتيبَ خزانة، وتصميمَ مواد ومشروعات، خزانة متنقلة»، أما الروائية نجوى بركات فتقول: «حين كتبت أول مرة على الكومبيوتر إحدى رواياتي، تندّمت على عدم وجود مخطوطة يدوية تبقى من ثمّ، وتُظهر لي مراحل ولادة عملي، شيء حميم للذكرى عن فترة أمضيتها مع تلك الشخصيات والأحداث والعوالم، يبقى لي وحدي ولا يفك شيفرتَه سواي، قبل أن ألقي بمخطوطتي بين الأيدي الكثيرة التي ستحملها حين تبدأ رحلتها إلى القرّاء»..

::طباعة::