لم يخفِ يوماً الكاتب والسيناريست حسن م. يوسف حبه للروائي الراحل حنا مينه، بل لطالما ذكر أن حب هذا الأخير دفعه للدخول في مغامرة الكتابة للتلفزيون من بوابة روايته «نهاية رجل شجاع» التي كانت، على حد تعبير يوسف، حبل المشيمة الذي ربطه بعالم مينه الروائي.
ذلك الحب سرعان ما يعلن عن نفسه عند مشاهدة مسلسل «نهاية رجل شجاع»، إذ تظهر تفاصيل المسلسل حالة الشغف التي تربط كاتب المسلسل، بالأصل الروائي المأخوذ عنها، إلا أن حسن م. يوسف لم يكن، رغم ذلك، أسيراً لهذا الأصل الأدبي وعشق صاحبه، وإنما بدا يتعامل معه من موقع العاشق بعينين مفتوحتين، وفي ذلك سرّ الرضا الذي أبداه الراحل حنا مينه عن المسلسل رغم أن يوسف أحدث تغييرات في أحداث روايته وشخصياتها ونهايتها، فضلاً عن إضافة شخصيات جديدة عليها.
عبر ما أسميه «العشق بعينين مفتوحتين على اتساعهما» استطاع حسن م. يوسف تجاوز اثنين من أبرز ما يعوق عملية تحويل ناجحة للرواية إلى مسلسل، وهما حالة تعالي السيناريست على الرواية على نحو تجعله يستبيحها، وحالة استلاب الرواية للسيناريست بشكل يجعله أسيراً لها، فكان الرجل أميناً في نقل الرواية إلى سيناريو تلفزيوني، من دون أن يغفل ضرورات الكتابة الدرامية، وما تستوجبه من افتراق أحياناً عن عوالم الرواية، وما تفرضه لغة الصورة من إضافات عليها، واشتراطات العرض التلفزيوني.
نظرياً تبدو الاشتراطات الرقابية عاملاً أساسياً في تغييرات مؤثرة أحدثها حسن م. يوسف في شخصيات المسلسل عما كانت عليه في الرواية، فهو يحول شخصية «لبيبة» إلى خادمة، ويكتب نهاية مختلفة لشخصية «مفيد» خلافاً لانتحاره بالرصاص كما تنتهي الرواية، وفي ذلك بلاشك مراعاة للرقيب (الرسمي والاجتماعي) في تسعينيات القرن الفائت وخطوطه الحمر، ولكن حالة العشق بعينين مفتوحتين التي تربط حسن بالرواية، هي العامل الحاسم في تلك التغييرات، إذ تجعله يتجاوز مسألة التغيير لمجرد تلافي مقص الرقيب نحو مقترح درامي جديد لا يفارق روح النص الروائي ويعلي من شأنه، فيصوغ نهاية لحياة مفيد الوحش من لدن أفعال الرجل وطبائعه إذ قضى هذا الأخير حياته وهو يخوض ما يعتقد أنه معارك الانتصار لكرامته، ومن باب الأولى أن ينهي حياته في معركة تكون الأخيرة والحاسمة انتصاراً لهذه الكرامة، وهو ما فعله من فوق كرسي العاجز بالعراك مع «الزلقوط» وإغراقه في البحر.
وبالمثل لا يكتفي يوسف بمجاراة الرقيب بجعل لبيبة خادمة، وإنما يستعيد عبرها الحضور الأنثوي المتعادل للصوت الذكوري المفقود في رواية: «نهاية رجل شجاع»، فيجعل منها نداً لبطل المسلسل «مفيد»، مؤثرة في تحولاته، وهو في ذلك قد يخالف منطق الشخصية في الرواية، ولكنه يوافق رؤية كاتبها، أي حنا مينه، الذي ما انفك يصف المرأة بأنها صانعة التحولات الكبرى في المجتمع.

::طباعة::