على مدى الساحات والشوارع وبين أشجار الحدائق، أتعب الفنانون التشكيليون أنفسهم في نحت الكثير من الأعمال الفنية، هي أقل ما يُقال عنها إنها غريبة عن ذهنية وذوق المُتلقي السوري حتى ممن امتلك وعياً ثقافياً فوق الوسط، فما بالك بالإنسان العادي الذي اعتاد على المحسوس والملموس بالأصابع والروح معاً.
فسمة هذه الأعمال النحتية، كانت دائماً الإيغال في التجريد، وهو ما أوقعها في التغريب أمام متلق أسلفنا في شرح ذائقته الثقافية. فهذا الإغراق في التجريد لا يُناسب الذائقة المحلية ولاسيما نحن هنا نضع هذه الأعمال في الساحات والحدائق العامة وليست لمتلق نخبوي يستطيع فك شيفرة تجريدها.. وهذا ما نجد له تفسيراً لهذه الحيادية وعدم الاكتراث بالعمل النحتي خلال مرور هذا السوري بجوارها، فلا تلفت انتباهه بشيء، وربما وجدها «عائقاً» لمروره أو وقوفه في هذه الساحة، أو على تلك الناصية، وحتى في الحديقة العامة.
محنة التجريد؛ كانت دائماً –ولاسيما في العالم العربي-عتبة مرور – أو هكذا تمّ الظن – بها صوب اتجاهات تشكيلية أخرى في ظل نظرة «الازدراء» أو النظر شذراً إلى الأعمال الواقعية، وحتى التعبيرية. ومن هنا كان ظن الفنان التشكيلي، إنه بالتجريد وحده يُمسي ما بعد حداثوي. والمحنة الأكبر، عندما راح هذا الفنان من دون وازع من ذوق جمالي، يُجرّد المحسوس والمشخص، وكان الأولى لو فعل العكس لتقريبه من المحسوس وربما تكون هذه غاية التجريد.
ربما كان الأولى أيضاً من اشتغال الفنانين بالتجريد وطرح تلك الأعمال النحتية في الساحات والأماكن العامة مُبكراً؛ لو تمّ التمهيد لها بتقديم التشخيص أولاً، ليتعوّد المتلقي غير الخبير بالثقافة البصرية لا سيما بعد الحملات الظلامية على إرثه النحتي البعيد من تماثيل وآلهة وجداريات وغيرها، وهو الأمر الذي جعل من هذا «المتلقي» المحكوم بعادات وتقاليد ظلامية لأن يُطلق على التمثال «صنماً». كان الأولى على النحات أن يبدأ برموزه الوطنية، وهنا نُسجل الكثير من العتب لبعض المبدعين الذين تمّ تجاهلهم، وكانوا يتمنون أن يروا تماثيلهم في الساحات والحدائق العامة من روائيين وشعراء وقادة. وهذا – للأسف – لم يحصل، ومن ثم كانت النتيجة كل هذا الحجم من التغريب، وقد تحولت أعمال النحت النصبية إلى مراقد للطيور أو «زحليطات» للأطفال، وفي أحسن إيجابياتها مساحات لتدوين ذكريات عشاق مكسوري الخواطر.

::طباعة::