آخر تحديث: 2020-10-21 06:41:26

إشكالية فن التأويل ما بين الميتافيزيقيا وإيجاد فهم مشترك

التصنيفات: ثقافة وفن

من المعروف أن عالمية فن التأويل تتجلى في صيغ الحوار عندما يباشر المؤول معرفياً وأنطولوجياً علاقته مع النص كآخر يتضمن حقيقة تنكشف بالقراءة وبالطبع لا ينفك أي مؤول عن أحكام مسبقة ينسجها حول تصوره الخاص عن الموضوع لكن هذه الأحكام هي في نظر غادامير أحكام إيجابية تدعم وتنشط فاعلية الفهم والحوار على أن هذه الأحكام تختفي وتنتهي وظيفتها في أول لقاء بين المؤول كقارئ وبين موضوعه وهنا تطرح إمكانية لتساؤل جديد من حيث رصد حقائق النص أو الموضوع المقروء لكن الأحكام والاقتناعات التي تظهر من لقاء المؤول مع الموضوع لا تقصي سابقاتها وإن حاولت عزلها أو الحلول محلها بل يحدث تعايش معرفي بين الحكم المسبق السابق وبين الحكم الجديد ويدخلان في علاقة جدلية تنبثق عنها إمكانيات جديدة من التساؤل والطرح ويبقى الهدف الأول والأخير للفهم التأويلي كما يرى غادامير هو الارتباط بـالشيء نفسه واستخلاص حقائقه كما هي معطاة وكما يكشفها هو عن نفسه وبنفسه..

وبالتالي إن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هنا يدور في فلك إشكالية التعامل مع الشيء نفسه من حيث انتمائه إلى ميتافيزيقا الحضور أو إمكانية انتمائه لهذه الميتافيزيقيا ومن خلال هذا التساؤل يدافع غادامير عن طروحاته ومناهجه واقتناعاته التأويلية التي تتعرض من حين لآخر لهجوم التفكيك الدريدي حيث يتصدى غادامير لمهاجمات دريدا عندما يرى في حيوية الفهم وفاعلية الحوار نتاج التعامل مع الشيء نفسه وليس الإقرار بحقيقة الشيء في نفسه ومن المعروف عن منهجية التفكيك الدريدية أنها تسعى إلى تعرية النصوص المترسبة عبر تاريخ الكتابة وفحص الميكانزمات التي يقوم عليها الخطاب الفلسفي كخطاب ميتافيزيقي يعمل على الانتصار لروح الدلالة ويضمن تواصل الحقيقة المتوارية والسعي عن كشفها ضمن مقولات لاهوتية وقيم أخلاقية متعالية، على أن غادامير هنا يضع نفسه على محك التفكيك الدريدي ليرى هل هناك فعلاً تغني بأصول ميتافيزيقية وبناء للعقل المركزي وبالطبع إن غادامير ينفي عن نفسه مثل هذه المزاعم من حيث أن تجربته التأويلية هي نشاط الفهم في طيات لغة حية ومتحركة وفاعلية الحوار بين قارئ ومقروء ينتميان إلى نفس اللحظة التأويلية كتجربة معيشة فعلاً..

وبالتالي أية ميتافيزيقا في الحضور يمكن ترزح تحت هذه الممارسات التأويلية، وإذا كان غادامير هو نفسه يتحدث عن الفهم كتجربة ونشاط فهو كما يقول عن نفسه لا يقصد الفهم بالمعنى السيكولوجي للكلمة والذي ناضل من أجله شلايرماخر والذي يهدف إلى تطابق فعلي بين الفهم الناتج عن القراءة وما أراد قوله المؤلف ضمن قصدية متوحدة وبالتالي إن غادامير يتحدث عن الفهم كتفعيل لآفاق دلالية وسيلان معاني مبعثرة عن النص الأساس أو المنبع فليس هناك أي تطابق بين قصد المؤول وقصد المؤلف وإنما مجرد ممارسة نشاط الفهم كحوار خلاق بين المؤول والمؤلف تبنى على أساسه جملة الحقائق التي يعبر بها النص عن نفسه حيث يرى أن نشاط فن التأويل يتجلى في إيضاح الفهم ليس كتواصل سري وعجيب بين النفوس وإنما كمشاركة في بلورة معنى مشترك.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed