في المنظومة الاستراتيجية لمفكري الاختلاف ومن خلال الثورة السيميولوجية يمكن الوقوف على حالة من انقلاب إبستمولوجي فعّال حيث إذا كانت الإبستمولوجيا التقليدية قد عملت على اعتبار الخطأ والجهل عيباً كبيراً فإن العقلانية المعاصرة أعادت الاعتبار لمفهوم الخطأ باعتبار دوره الإيجابي في نشأة المعرفة العلمية فالحقيقة عند باشلار تستمد معناها من تقويم الأخطاء بل إن صورة الفكر العلمي ذاته ليست إلا حقيقة منسوجة على أرضية من الخطأ وبهذا المعنى ليس الجهل فراغاً معرفياً وهكذا فبدل النظر إلى الأزمات كفترات انتقال وقنطرات عبور مما يعني تجاوز الاختلال الذي يمكن أن يصاحبها بالبحث عن توازن جديد بدل ذلك فإن الإبستمولوجيا المعاصرة تنظر إلى الأزمة كمقامات قارة وليست أحوالاً عابرة.

والأهم من ذلك أنها ليست أزمة كلية وإنما سلسلة أزمات جهوية قطاعية تدخل في تركيب المنظومة ونسيجها وبالتالي يترتب عن ذلك أن المنطق الجديد الذي تراهن عليه الإبستمولوجيا المعاصرة يؤسس لمنظور مغاير حيث في مقابل المنطق الكلي والكلياني للعقل وللحقيقة تقيم العقلانية الجديدة أشكالاً لا متناهية من المعقولية وفيضاً من المعاني وغزارة للحقيقة على أنه لا يمكن فصل هذا التنويع الاستراتيجي على بعض مظاهره المتنوعة عن فاعلية التقويض الميتافيزيقي في مجال الكتابة أو ما اصطلح عليه بالدراسات الأدبية ومن ذلك أن ما يميز النص الجديد هو انفلاته من كل تأويل نهائي ولا يقبل الانغلاق وبالتالي رمزيته لا حدود لها وهو نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء وبالتالي إن الكتابة الجديدة وفق هذا الاعتبار تأخذ شكل جمالية متجاوزة تكشف عن حيوية نقدية يمكن الوقوف عليها في كثافة اللغة وفي مسافة التوتر التي تنتظمها العلامات وفي إيقاع الكلمات والأشياء الموشاة بالفرح والمتعة وبالاحتفالية أيضاً.

::طباعة::