من سمات الأسطورة أنها غير عقلانية، فهي تسرد وقائع وأحداثاً وشخصيّات يتنافى وجودها مع السياق المألوف في الحياة البشرية، الأسطورة تنحو بنفسها نحو الغرائب والأعاجيب، والأفعال الخارقة التي لا يستطيعها إلا الذين خرقوا سقف الاستطاعة البشرية، واكتسبوا صفات الكائنات العليا التي أطلقت عليها الثقافة الإنسانية في مراحل مديدة سابقة تسمية (الآلهة) قبل ظهور الأديان الوضعيّة التي أسسها البشر، والتوحيدية (السماوية) أيضاً، مع الانتباه إلى أنّ أبرز الوظائف التي مارستها الأسطورة في مرحلتها الذهبية هي الوظيفة الدينية، إذْ كانت الأسطورة تتماهى مع الديانة، وكان البشر يرون الأساطير التي يؤمنون بها بمنزلة الحقائق التي لا ينتابها أيّ شك.. يتعامل عصرنا الراهن مع الأساطير بوصفها مجرّد أساطير، أي بوصفها مدوّنات صنعتْها مخيلة الإنسان، لكن المثير للتأمّل أن هذا العصر المثقل بكميّة مرهقة من الحقائق العلمية الصارمة، والمعارف الهائلة المنتشرة في شتى الميادين، لا يستطيع أن يتخلّى عن إعجابه بمختلف الأساطير التي صنعتها البشرية في مختلف بقاعها الجغرافية، وثقافاتها المتباينة، إعجابه بصياغاتها الأدبية الرفيعة، والهندسة المذهلة للمعنى وطرائق إنتاجه، وغير ذلك مما تكتظ به الأساطير وتبثّه في مختلف تفاصيل الثقافات البشرية قاطبة، وتفاصيل الحياة الواقعية على حدٍّ سواء. من المؤكّد أن التناول الجمالي للعالم ماثل في معظم الأساطير، والمؤكّد أن الأدب في عصرنا الراهن دائب السعي إلى استثمار الأسطورة وجمالياتها، وإسقاطاتها على المستويات الأخلاقية والسياسية وسواها، مقتفياً بهذا الخصوص أثر الفن التشكيلي الذي استقى معظم موادّه وموضوعاته من الأساطير اليونانية والرومانية استقاء مباشراً، في مرحلته الكلاسيكية خصوصاً، مع الانتباه أيضاً إلى أنّ الأدب المعاصر، بما فيه فن الرواية ينحو باتجاه منح متونه أبعاداً أسطورية موظّفة في منحه مزيداً من الجماليات الخاصّة، ومزيداً من عناصر اكتساب الخصوصية والفرادة..وفي هذا السياق، كان المسرحي والشاعر الإسباني الكبير أليخاندرو كاسونا من أوائل الذين تنبّهوا إلى جمياليات الأساطير وصياغتها أدباً معاصراً، فاختار بضع عشرة أسطورة موزّعة على مختلف ثقافات العالم بما فيها الثقافة العربية والفارسية والهندية وغيرها، وصاغها بأسلوبه الأدبي الرفيع على شكل يشبه القصة القصيرة المنجزة بلغة النثر الفني، فكان كتابه (صفوة الأساطير) مؤلّفه النثري الوحيد الذي كتبه في مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم، ومن محاسن السياق أنّ هذا الكتاب الجميل صار متاحاً للقارئ العربي بعد مضي ما يقارب القرن على تأليفه، عبر مبادرة الأستاذ علي أشقر إلى ترجمته عن الإسبانية، ومبادرة دار (فواصل) إلى جعله في باكورة منشوراتها.

::طباعة::