«من الجيد أنهم لم يسندوا إليَّ مَهمةً تتعلق بحقوق الإنسان أو رئاسة دولة مثلاً، لكان الأمر كارثياً»، قالت لنفسها بصوت خافت مُحاولِةً منْعَ عينيها من العبور إلى المرآة المدسوسة في وجه الجدار، حيث امتلأ المكان بطبقات مرصوصة من البخار، تتسابق إلى جسدها المُهيأ للربيع، سباق فناء.
هذا التبرج على محيّاها باهظ البساطة على تكلفته، كان كفيلاً باللمعان تحت أضواء الحفل الصاخب قبل قليل.. لحظةَ فكانت تلقي خطابها المفعمَ بالثورة والحرية.. جلّ ما فعلته بكليتها هو الاعتقال والأسر أما التفاصيل فكانت تَغتال.. والصوتُ يشفي ما قَتل.. والحروفُ تُحيي ما تدثّرَ بالعجب..
«هذا الوجهُ.. جميلٌ!!» ابتسمت عينها اليمنى عالمةً في قرارة روحها أن ابتسامة العين اليمنى ما هي إلا مواساةٌ وألمٌ يخفي معالم الخسارات المتلعثمةِ على شفاهها المتوردة..
«وهذا التبرج كم سيكون مشابهاً لتبرج الجسد القادم بعد العري الكبير»؟
امتلأ المكان بالتساؤل والدفء والتردد المتعب أمام البرد..
«لابد من المواجهة يا امرأة.. ألم تعتادي بعد على الأمر؟ قلت لك سابقاً إنه سهل، مجرد لونٍ بسيطٍ على جلدٍ سميكٍ لا يتأثر باختلاف الحرارة المحبوك بالتحمل، وأنت محظوظة أن هذه أهم وظائف الجلد..»
كانت المياه موحدةَ الحرارة بإتقانٍ بالغٍ يكفي لإزالة الوقت والسماكات، والمكان يراقصها بشغف.
لطالما أحبت مرور أصابع الماء على شعرها المسدول، صوتُ اللحن كان أعمقَ من الألم، بعض الأصابع تسللت هنا وسامحت هناك.. لولا البعضُ الذي سقط على أرض المكان لما كانت تذكرت وقع القبضة على أرضها..
كان صوتُ الدهشة أعلى بفيض شقاقِ نفسٍ، وانزياحُ الخصر من المكان كدوران الشمس في اختلاف النهار والليل.
«فلتذهب القوة الى الجحيم!!» صرخت من فمها لحظةُ ذاكرة، وضربت بقبضتها لحظةَ الدوران… كل تلك الشعارات التي رددتْها اليوم، وكل أولئك النسوة والفتيات اللاتي يشربن عينيها إرادةً وقوةً وصلابةً كُنّ ضحاياها هي.. ضحايا امرأةٍ تدعي القوةَ وتتبرج قوةً، تصرخ قوةً، تتناول فطورها مع أطفالها قوةً، وتتمدد في سريرٍ موشحٍ بالقوة… جثة تنهال عليها قبضاتُه بأعلى قوة، فكانت بامتيازٍ، ضحيةَ القبضة والأقنعة.
كم هي مراوغةٌ ضعيفةٌ على قدْرٍ عالٍ من الخداع والتجهز لكل هزيمةٍ تسلمُ بها نفسَها للمفارقات اللعينة الساذجة….
على وجه الماء، كانت بقايا التبرج تسيل بحرية، والإيقاع مقتصرٌ على تساقط أصابع وتهاوي أقنعةٍ مرئية.
الجسدُ مرتاحٌ إلى حدّ ظهور الكدمات بلونٍ أزرقَ يعانق اخضراراً مجهول النسب، تؤلم لكن بصمت، كما هي العادة دوماً، تنظف المكان ببطء لكنها استغرقت وقتاً أطولَ هذا المساء، كان في البقايا أصابعُ، أقنعةٌ، قبضاتٌ كثيرة، والكثير من الضعف، أزرقُ وأخضرُ لم يعودا متعانقَيْن والمرآةُ على وجه الجدار مازالت معلقةً، لكن لا ظلَّ عارياً فيها يدور بعد اليوم…!!!
جففتْ الجلدَ الملوَّنَ، وخرجَتْ إلى القادم، بلا تبرُّج..!!!!!

::طباعة::