بدأت القصة حين بادر جندي أصيب في إحدى المعارك، بإنشاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، هدفها جمع أكبر عدد من العسكريين المصابين للتواصل معهم وإخراجهم من حالة العزلة والاكتئاب والحزن التي تسيطر على عدد كبير منهم، لكن الصفحة ما لبثت أن تحولت إلى ملاذ للجرحى، تؤمن للكثير منهم العلاج والدعم المادي والنفسي عبر أفراد سوريين مغتربين ومقيمين في سورية، وبذلك يكونون قد خففوا ـ ولو قليلاً ـ العبء الكبير الملقى على عاتق الدولة بسبب أعداد الجرحى الضخمة.
«تشرين» التقت مؤسس صفحة (جرحك شرف) التي صارت مشروعاً، الجندي داني ميلانة الذي كان طالباً جامعياً عام 2011، وما إن اندلعت الأحداث، ترك الجامعة وتطوع في صفوف الجيش العربي السوري.
يقول داني: إنه لاحظ حالة الحزن التي تسيطر على كثير من الجرحى والمصابين الذين يعرفهم، وبما أنه مصاب حرب، أراد أن يبادر بتقديم خدمة لإخوته في السلاح، ولو كانت بسيطة بحدود بسمة يبتسمها المصاب حين يعلم أن هناك من يفكر به ويعمل من أجله.
ويضيف داني: كانت تردنا طلبات إضافة صداقة كثير من مدنيين، وفي البداية كنت مصراً على أن تبقى الصفحة للمصابين الذين يعرضون فيما بينهم مشكلاتهم ومعاناتهم، لكن بعض الأصدقاء نصحوني بقبول الطلبات لأن الكثير من أصحابها يريدون تقديم المساعدة عبر أشخاص ثقات ليضمنوا أن ما سيقدمونه سيصل إلى أصحابه.
وبالفعل، بدأ المدنيون الموجودون معنا في المجموعة بالتفاعل مع أعضائها وعرض المساعدات للحالات التي يتم عرضها، من تأمين أدوية إلى بعض المستلزمات الضرورية إلى المبالغ المالية، وخاصة للمصابين، أصحاب نسب العجز الكبيرة.
وبدأنا نستقبل طلبات المساعدة، ولكننا لم نتسلم أي مبالغ منذ تأسيس المجموعة حتى اليوم، وإنما نقوم بوصل المتبرع بالمبلغ أو الجهاز أو أياً كان نوع المساعدة مع المصاب مباشرة ليقدم له ما تم الاتفاق عليه.
وأوضح مدير المجموعة أنه وعند تلقّي طلب مساعدة، يتم التأكد من الحالة قبل تحويلها لأحد المتبرعين، وذلك عبر إبراز أوراق رسمية تثبت صحة كلام المصاب، وحين يكون هناك شك أو يكون طالب المساعدة ليس لديه ما يثبت رسمياً أنه مصاب حرب، يتم التأكد من الحالة بشكل شخصي عبر معارف يقيمون بالقرب منه، والهدف من هذه الإجراءات هو بقاء المجموعة مثالاً للصدق، لأن وجود حالة كاذبة واحدة ستجعل المتبرعين يحجمون بعض الشيء عن تقديم المساعدة.
ولا تقتصر المساعدات ـ كما بيّن مدير الصفحة ـ على تقديم المساعدات المادية والعينية والنفسية، بل تتجاوزها إلى تعريف الجرحى الجدد بطريقة استصدار بعض الأوراق والشهادات الواجب امتلاكها لإثبات الإصابة، وتأمين أرقام هواتف أطباء ومشافٍ، وتقديم المشورات والنصائح من أصحاب الخبرة في كثير من الأمور التي تخص الجرحى والمصابين.
وعما قدمته المجموعة التي أسست منذ عام، قال ميلانة إن عدد الذين وصلتهم المساعدات يتجاوز الـ 400 مصاب، حيث تم شراء ثماني كراسي كهربائية قيمة الكرسي الواحد منها 300 ألف ليرة، إضافة إلى 18 سريراً، وعدد كبير من بطاريات الكراسي الكهربائية، والكثير من العكازات والـ(ووكر) وخلطات مرض الخشكريشا، وكمية كبيرة جداً من الأدوية، وإيجارات منازل للجرحى كما أجريت أربع عمليات جراحية عينية، وفي عيد الأضحى، تم توزيع مبالغ مالية لأبناء الجرحى تجاوزت المليون ليرة، مؤكداً أن المجموعة مستمرة في عملها، ومتمنياً أن يزداد عدد المتبرعين لأن عدد الجرحى كبير جداً واقتصار التبرعات على أشخاص بعينهم سيرهقهم.
وختم المصاب ميلانة ومدير مجموعة (جرحك شرف) بتوجيه نداء للناس، مفاده شكر كبير لتعاطفهم ومساعدتهم الجرحى، لكن مع أمنية بتغيير النظرة التي تعلو وجوههم عندما يرون مصاباً أو مقعداً من جراء العمليات العسكرية، لأن وقع هذه النظرة عليهم – بحسب ميلانة – يعادل الرصاصة أو الشظية التي أدت إلى الإصابة، واستبدالها بالتفاعل والتعامل مع المصاب بشكل طبيعي، وتعليم الأطفال وتوعيتهم للتعامل بالطريقة نفسها، مع إيصال فكرة أن هذه الجراح حمت هذا الوطن الغالي على قلوب الجميع.

::طباعة::