أضحت الحرب التجارية الأمريكية ذريعة وسبباً لمواجهة هزائمها المتتالية في حروبها العسكرية، وخاصة، بعد اندلاع ما سمي «الربيع العربي»، فحتى حروب الوكالة لن تجدي نفعاً. فلجأت إلى حروب اقتصادية متعددة الأوجه.
وتتزامن الحرب التجارية مع فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجاً اقتصادياً يقوم على الحمائية لأمريكا. ومن المعروف أن شكل الحرب وإجراءاتها، سيؤثر على شركاء أمريكا وخريطة التصدير العالمي.
وشرعت واشنطن بحروب تجارية، واستفزازات سياسية، وخرق أحادي للمعاهدة مع إيران، وفرض عقوبات مستمرة على روسيا، وإيران، وكوريا الديمقراطية، وفنزويلا، والصين. أما حروب ترامب التجارية، والجزاءات السياسية، وقوانين الضرائب الجديدة، كلها تأتي في سياق استراتيجية البنك الاحتياطي الفيدرالي الشديدة لتضييق الدولار، ما يوفر خلفية لشن حروب عملة ضد خصوم سياسيين عالميين، من دون الاضطرار لإعلان حرب تقليدية. فسلسلة الاستفزازات تلك، التجارية ضد الاقتصاد الصيني الضخم، والسياسية ضد تركيا، والعقوبات غير الشرعية ضد روسيا تشكل جزءاً مهماً من استراتيجيتها.
وتسعى واشنطن جاهدة للحفاظ على هيمنتها على العالم اقتصادياً وسياسياً. وتستخدم أسلحتها كاملة لتحقيق أهدافها العدوانية. فاستراتيجية الإمداد العالمي للنقد والعملة العالمية هو السلاح الأكثر استهدافاً وفعالية. ومن خلال إجراءات الاحتياطي الفيدرالي المملوك للقطاع الخاص، بالتنسيق مع الخزانة الأمريكية، وبعض شركات مالية في «وول ستريت»، أصبحت السيطرة عن طريق الدولار الأمريكي سلاحاً ماضياً تجاه العالم.
وقام الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عام 1971 بفصل الدولار عن الذهب، ما أحدث تحولاً مالياً كبيراً بالعملة، وقبل عقد من الزمن، سمح وزير الخزانة الأمريكي هنري بولسن- المصرفي السابق في «وول ستريت» بمنح مئات المليارات لمصرف كولدمان ساكس، والمصارف المركزية في الاتحاد الأوروبي من خطوط الائتمان لتفادي النقص بالعملة الأمريكية، فكان لدى مصارف أوروبية عدة التزامات كبيرة بالدولار تزيد على 100% من الناتج المحلي الإجمالي. ويقدر معهد التمويل الدولي في واشنطن بارتفاع ديون الأسر والحكومات والشركات والقطاع المالي في أكبر 30 سوقاً ناشئة إلى 211%، وتمثل تركيا أحد الأسواق المدينة بنحو 300% مليار دولار من الديون الأجنبية، أي أكثر من نصف إنتاجها المحلي.
ويسعى المصرف الاحتياطي الفيدرالي لتأزيم الوضع المالي العالمي، بالحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة، وتحول في سيولة العملة في الاقتصاد، ما يسبّب أزمة للاقتصادات الناشئة، وخاصة الآسيوية، ويسمح الاحتياطي الفيدرالي اليوم بدفع 40 مليار دولار من سندات الخزينة، وسندات الشركات، من دون استبدالها، ووجوب رفعها إلى 50 مليار دولار شهرياً في وقت لاحق، والذي يعني ضخ العملة بالأسواق، والتلاعب بها بالانكماش والتيسير الكمي. وبالرغم من كل هذا، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحدياً كبيراً لتحقيق توازن استراتيجي بين قانون ترامب لخفض الضرائب والعجز المرافق له. الذي يتطلب إصدار سندات جديدة، ما يجعل الخزانة الأمريكية مضطرة لدفع فائدة أعلى.
وتالياً, لا يمكن لشكل الحروب مهما تعددت أن تجعل أمريكا قادرة على استبداد العالم والتلاعب بمقدراته.

عن «نيو ايسترن اوت لوك»

::طباعة::