شكّل قرار الباراغواي إعادة سفارتها إلى «تل أبيب» بعد نحو أربعة أشهر على نقلها إلى القدس المحتلة, انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الفلسطينية وضربة قاسية ومباشرة لرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يجند كل طاقاته للحصول على اعترافات دولية بالقدس المحتلة «عاصمة» لكيانه المحتل. إلا أن حسابات نتنياهو لم تأت كما اشتهى هو وسيده الأمريكي فقد حدث العكس تماماً, فبعد أن اعترفت كولومبيا بدولة فلسطين ها هي البارغواي تتراجع اليوم عن نقل سفارتها إلى القدس المحتلة في دليل واضح على سحب اعترافها بالقدس «عاصمة» لـ«إسرائيل» مقابل اعتراف من نوع آخر وهو أن القدس كانت وستبقى فلسطينية.
قرار البارغواي الذي اتفق الجميع على أنه جاء ثمرة للجهود الدبلوماسية الفلسطينية في تبيان خطر نقل السفارات للقدس المحتلة على عملية السلام, أصاب نتنياهو في مقتل ما جعله يسارع برد فعل هيستيري إلى إغلاق سفارة الكيان الإسرائيلي في باراغواي كوسيلة ضغط جاءت متزامنة مع تدخل سريع لنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الذي حاول بدوره ممارسة الضغط على رئيس البارغواي لإقناعه بالعدول عن قراره.
إلا أن رئيس البارغواي الجديد ماريو أبدو بنتيس أعلن تمسكه بقراره الذي كان قد درسه جيداً قبل الإعلان عنه, وحتى قبل أن يقطع عهداً لوزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي – قبل أسبوعين عندما كان في زيارة إلى أسونسيون- بأن هذه الخطوة ستجري بهدوء في أوائل أيلول, غير آبه بما سيحمله هذا القرار من تبعات ربما تدفع ثمنها البارغواي من علاقاتها بواشنطن وحلفائها في المنطقة, طالما أنه جاء -حسبما أعلنت أسونسيون- في إطار تكثيف الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط.
وعليه, فإن هذا القرار يشكل أنموذجاً يحتذى لكل دول العالم الحر بمواجهة الأطماع الإسرائيلية ومحاولات الابتزاز السياسي والمساومة التي تمارسها الإدارة الأمريكية على دول العالم لإرغامها على الاتساق مع خطواتها المخالفة للشرعية الدولية وخاصة بعدما نقلت واشنطن سفارتها إلى القدس المحتلة في إطار تنفيذ «صفقة القرن». «مع ضرورة الإشارة إلى أنه قبل ذلك لم يلتحق بركب واشنطن في نقل السفارات إلى القدس المحتلة سوى بارغواي وغواتيمالا».
واليوم, لا يجب على الدبلوماسية الفلسطينية أن تقف طويلاً عند عتبة هذا الانتصار, وإنما يجب أن تتقدم باتجاه التحدي الثاني وهو إقناع غواتيمالا أن تحذو حذو بارغواي وتنقل سفارتها هي الأخرى من القدس المحتلة, لتكون الضربة القاصمة التي ستساهم بشكل كبير في إجهاض «صفقة القرن».

::طباعة::