كان الزحام في شوارع المدينة على أشدِّه، أسواق اللاذقية مكتظة بالناس وناسها مكتظة أسئلتهم بردود الباعة، إنه موسم افتتاح المدارس ومايعنيه ذلك مما لايعرفه جيداً إلّا المعيلون، وما أدراك ما المعيلون؟ وهم على تدرّج حجم إعالتهم يتفاوتون، ولكنَّ ما يمحو تلك الأعباء والهموم هو شوق مدننا لزحام ناسها وأسواقها، ولعلّ فرحة المدن بعودة زحامها كادت تُقرأ حتى ممن لم تُمحَ بعدُ أميَّتُه.. وأنت تشقّ طريقك بين ناسك وأهليك من جهة الشيخ ضاهر- هنانو، أو من اتجاه سوق العنّابه، أو العويني ـ سينما أوغاريت، أو من حديقة البطرني على البحر إلى مقر المسرح القومي، حيث ملتقى جمهور المسرح في مشهدية جديدة تحت عنوان (جيو فرينيا) يقود دفتها تشاركية إخراجية، وكاتبُ نصِّها واحدٌ من ممثليها (علي يونس) ضاماً إليه: رهام التزه وجان حنا، وقد أهدي العمل إلى أرواح علي محمود، ونضال سيجري وحنا مينه..
تبدأ المشهدية بالأذن حيث شارة البدء إعلانات وأخبار سريعة لعلّ بطلها مسلسل إذاعي عنوانه (إخرس)، كما أحبّ الكاتب أن يدعوه، تتفاعل الأحداث مع أدوار متباينة طحنت رؤاها الحرب وغيرت أنماط تفكيرها وأدخلتها في نفق تتخبط فيه وتختلط تصوراتها ورؤاها المتناقضة المسفوحة على شلالات دماء، مابين أحلام كاذبة يحاول شابٌ هارب إلى ثقافة غربية غريبة قادم يمثلها شاب يلبس الزي الأمريكي (المغني)، يتقاسم مع دُمّر مسكناً في دار صاحبته (ماريا) الغارقة في لازمتها (اركبها استمتع بقيادتها مرسيدس) والتي مافتئت ترددها كفاصل يتكرر عند كل مشهدية، أو كعكاز واهن، تتمايز أصوات وقع ألحانه مع كل موقف أو مشهد جديد.. ولا يفتأ الشابان يلعبان على مفرداتها بما يأخذ الجمهور إلى تصور كوميدية سريعة الولادة من تراجيديا مُحدثة (النقمة) وقد انتهت أو كادت من تأثيرها الشجي للتو!
استطاع فريق العمل تجسيد ما حدث بعرضه على شكل مقاربات بين موسيقا الراب وموسيقا الشرق، وتصوير المزاوجة بين نقيضين كما كانت تجري على أرض الواقع مزاوجة (تفسد) للود كل قضية، إنه الزور والتزوير، إنها الفوضى تجسدها محاولة التوفيق بين وادي عبقر وأغنية الشيطان، وبين في (أمريكا) ينام الغريب، وفي (دمشق).
وكأن النص يريد أن يقول: إن هذا المتشبع بثقافة التحريض على ثقافته، يريد أن يقنص بكل بساطة كل قيم الشرق عبر إقحام مصطلحات غريبة في أنهارنا الأليفة العذبة ونهاراتنا العصيّة على الغربة، ولعلّ هذا مايفسر الخوف من ذكر كلمة قناص حتى ولو كانت اسماً لأغنية.. (قنّاص) مفردة مستفزة مرعبة لها مدلولاتها ولها وظيفتها في كل مشهدية، لأنها تكسر رتابة المشهد وتوقظ المتفرج على بعض مما جرى اصطياده في الليالي المظلمة، ولعلّها فعلت أكثر إذ إنها ربما حاولت إيقاظ الوعي ممن لم يعِ بعد خطورة ما جرى من اعتداء على حضارة لا تُمحى ولاتستسلم، حضارة مغرقة في تجذّر قيمها، بقدر ما هي مغرقة في تجذّر سوريتها، ظلموها حتى أحرقوها، وأدهشتهم وحيّرتهم حتى نهضت من رمادها!
تناول العمل اتفاقية تمزيق الأمة بأسلوب مختلف، على وقع أغنية (بالله تصبو هالقهوة…)، وكان الإعلام حاضراً في صوت، وجريدة، جريدة حملت خبراً أيقظ وعي الوجع في ماريا وراحت تسترجع عبير الخاطر في العشرة العتيقة العطرة، ثم ما لبثت أن عادت إلى ممارسة (مرسيديّتها)، التي لن يوقظها منها إلاّ تحوّل مغني الراب إلى داعية مشبع بالجوع إلى الدماء، وقد تمنطق بحزام أتى عليهم عن بكرة أبيهم، فأيقظهم الموت على حقيقة نداء الوطن وأغنية:
(عودوا كما أنتم..) والعَودُ أحمد، لنعودَ بعدها من حيث جئنا مروراً بأسواق وشوارع المدينة والتي لاتزال تحتفي بالزحام الجميل على الرغم من أن الوقت كان متأخراً ليلاً، فإنك تستطيع أن تشعر بكل حواسك- على الرغم من كل شيء- تشعر بفرحة تلمسها على محيّا الوجوه التي جاءت من كل المدن السورية وهي تبحث عن (القرطاسية) في مدينة الأبجدية الأولى.

::طباعة::