آخر تحديث: 2019-11-22 21:33:39
شريط الأخبار

إشكالية علم التأويل من منطق الفهم والتفسير

التصنيفات: ثقافة وفن

من المعروف أن دلتاي نظر إلى فن التأويل على أنه القاعدة الأساسية للعلوم الإنسانية وعلوم الفكر ورأى أنه المفتاح الذي لا يمكن الاستغناء عنه ليس فقط في فهم النص المكتوب من حكايات أو روايات أو قصص أو خطابات أو رموز أو أساطير وإنما أيضاً في فهم النصوص المرئية المتمثلة في شبكة العلاقات الفردية والممارسات الاجتماعية والحقائق التاريخية والتحف الفنية، وبالطبع إن تلك اللفتة منه سمحت باستحداث نموذج جديد غير الواجهة المعرفية والقيمية في التعامل مع النصوص بحيث تتجه حركة التأويل من المكتوب إلى المرئي مروراً بالمقروء كما أنها لا تغفل تلك الذات الناسجة للنصوص الكائنة خلفها من حيث هدف فن التأويل الذي يعني فهم وتفسير أفكار الآخرين عبر علاماتهم وبالتالي يحصل الفهم عندما تستيقظ التمثلات والإحساسات في نفسية القارئ وفقاً للنظام والعلاقة الكائنين في نفسية المؤلف..

إلا أنه وبحسب دلتاي نفسه يعود الفضل إلى فلاسيوس في تأسيس حلقة فن التأويل التي تنتقل من الفهم الكلي والشامل للمعنى الذي يختزنه النص إلى فهم أجزاء هذا النص وعليه ينشأ تأويل شبه دوري يستند فيه الفهم الكلي على فهم أجزائه وعكسه فمثلاً لتأويل أي كتاب ينبغي أولاً قراءة كل مقطع منه في ضوء الدلالة العامة لمجموع متنه، إلا أن هذه الإزاحة التي مارسها فلاسيوس في قضايا فهم وتأويل النصوص بعيداً عن الإطار الإيديولوجي والسياج الدوغمائي المغلق الذي تنحصر فيه لم تكن كافية من منظور دلتاي لأنه رأى أن هناك عوامل أخرى أغفلها فلاسيس وهي قراءة كل كتاب على ضوء مختلف الظروف التاريخية والاجتماعية والسياقات والاستعمالات اللغوية..

ومن الجدير ذكره هنا هو إن كل من سبينوزا وكلادينيوس قاما بطرح مسألة الفهم من وجهة نظر قيمية وأكسيولوجية من حيث إن فهم النص هو فهم حقيقة هذا النص لكن لا يخلو هذا الفهم من معايير لغوية وفنية وحتى نفسية والتي تحاول فك العقد المبهمة التي ينطوي عليها النص وبالتالي إن نشاط فن التأويل من منظور سبينوزا وكلادينيوس هو تداول الفهم الأساسي للنص فيما أن ماير وشلايرماخر افتتحا عهداً جديداً من خلال توسيع حركة التأويل من قراءة النص إلى فحص وتمحيص مختلف النصوص المرتبطة بأنساقها المتعددة من أدب وفن وفلسفة ومن الجدير ذكره هنا هو أن ما قدمه شلايرماخر بهذا الخصوص يعد بمثابة عتبة انتقال من التأويل اللاهوتي إلى التأويل الفلسفي الإنساني خلافاً لسبينوزا وكلادينيوس حيث لا تتعلق مشكلة الفهم عند شلايرماخر بين فهم عادي وفهم أفضل للنصوص قصد إدراك طبيعة الموضوع أو بتعبير آخر لا يولي شلايرماخر أهمية كبرى لشرعية الفهم وصلاحيته وإنما يرتبط الفهم من منظوره بفردانية الفكر لشخص معين والذي يتلفظ بخطاب معين ضمن سياق زماني مكاني خاص وبالتالي إن ممارسة الفهم عنده أي عند شلايرماخر ترتكز على أحد أمرين إما فهم غير صارم يتجنب من خلاله عدم التفاهم وإما فهم صارم يقر بحقيقة عدم التفاهم كظاهرة عادية وطبيعية وبالتالي توجه باهتمامه على البحث عن فهم مشترك.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed