لقد نظر البعض إلى الشعر على أنه تجميع متطرف لكثافة الكون وإيلاج عميق في الأبعاد الوجودية من حيث إنه تأسيس لجمالية تتوخى تشكيل هندسة ما بعدية تدرك في قصديتها الفضاء المكاني كمجال حيوي ومصدر لرؤية الكائن الشعري بوصفه محرراً للغة الشاعرية عن عوائق انطلاقتها باحثاً خلف كل تشكل هندسي مواضعاتي عن حيواتٍ ثاوية في اللابعد وفي لا وعي المكان من حيث إن الشاعر هنا يغدو أقرب إلى المحلل النفساني الذي يغوص في لا وعي الذات واللاشعور ليكشف خبايا النفس البشرية المعقدة..

وبالطبع إن القصيدة من هذا المنطلق هي اختبار لميتافيزيقا الشعر بوصفه تحفيزاً ملحاً ومتتالياً على ولوج المابعد لتجاوز الآن والـ هُنا؛ ففي المابعد الذي هو عالم الماوراء يضحى فيه المكان كائناً ذاتياً وكثافة بالغة لطاقة لاشعورية تختزن الروح الكلي روح الوجود الناطق من حيث إنه ذلك العالم السري الذي فيما هو يحتفظ بذاكرة العالم يكشف للرأي الشعري العتبة السرية أي الممر الخفي لولوج الحياة الماورائية والتي في خباياها يكمن سر الخلود وذلك العالم شبيه بعالم بلد العجائب حيث تمثل الأسطورة فيه تشخيصاً رمزياً يحيل إلى الكائن الشعري الذي يتحفز دوماً إلى كشف المفارقة الأعجوبة التي تفضي بالذات إلى التحرر من عوائق التبعية السلطوية للمكان ذي الأبعاد المادية والمواضعاتية ولذلك كانت الرؤيا الممتلئة بنزعة الحدس النبوئي هي المعبر لاختراق الأشكال الهندسية وعبور الأبعاد المرئية للوجود كبعد متحيز في ولمكانيته ليضحي مجالاً شفافاً ينتقل عبره المتخيِّل بكل حرية وبكل حركة ناقلة..

فالشعر بطاقته التخييلية هو أداة لتجاوز أبعاد المكان الكلاسيكي وجعله أي جعل المكان ذاتاً حوارية ناطقة تجيب نداءات الكائن الشعري وتحفزه على المساءلة الجوهرية للوجود وهنا يضحي حين الاكتشاف الشعري نفساً روحانية تتماهى بالذوات الحيوية وبذلك تنكشف طاقاته وتنبع منه إشراقاته التي استقى منها معظم الفلاسفة دلائل الوجود الناطق الذي يختبره الشعر؛ فالصورة الشعرية في القصيدة يمكن أن تكون إلى حد ما أداة فعالة في الكشف عن أسرار الوجود الناطق وبالتالي تعد من الناحية العملانية بمثابة ثروة الوجود المتخيل.

print