آخر تحديث: 2020-08-13 05:59:54

افاق..شراك المحليّات

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

بعد شيوع المحليات السودانية التي سردها الطيب صالح، بدأ رهط من الروائيين العرب يسعى إلى اعتماد البيئة المحلّية عنصراً أساساً، يكاد أن يكون وحيداً، لإنجاز الجاذبية السردية وإشاعة عناصر التشويق، مع الانتباه إلى التفريق بين مفهومي سرد الموادّ المحلّية، وعملية «التبيئة» التي تسعى إلى بثّ روح (البيئة) في مجمل الأحداث والمشاهد والشخصيات التي يتكوّن منها المعمار الروائي، بما يسهم في منح هذا النمط الروائي قدرته على الإيهام بالواقعية، والإقناع الفني، ومدّه بأسباب الحياة، ومنحه نوعاً من الفرادة المستمدّة من فرادة العوالم البيئية التي تطبع الرواية بطابعها.
المشكلة فيما نثيره الآن لا يمثل في عملية «التبيئة» السردية، بل يمثل في أن الإقبال الكثيف على سرد المواد المحلّية تحوّل إلى ما يشبه الظاهرة المنفرة التي جاوزت حدود الابتذال، وبشكل خاص لدى أولئك المفتقرين إلى الموهبة والثقافة والاطّلاع الكافي، والمفتقرين أيضاً إلى الخبرة التقنية الخاصة بفنّ الرواية. وقسم من المشكلة يرتدّ إلى إيمان مبهم لدى هؤلاء بأن (كلّ شيء قابل للسرد) فلماذا لا يسردون (كلّ شيء) مدعّمين بالفكرة الذاهبة إلى أنّ المهم في الفن هو طريقة طرح المادّة الفنّية، بغض النظر عن محتواها.
وأسوأ ما في هذه المشكلة أمران، يتعلّق الأوّل بمحدودية اطلاع الكتاب المبتدئين الذين يظلون (مبتدئين) حتى بعد طبع عشرات القصص والروايات، فاطّلاعهم المحدود يقنعهم بأن مسروداتهم المحلية مسرودات فذّة، والدليل أنهم يستقونها من منابعها، غافلين عن المشترك بين مختلف المحليات العربية. ولو أجهد أحدهم نفسه قليلاً في عملية القراءة والاستقصاء لأدرك أن المخزون في بيئته المحلية من عادات ووقائع وتقاليد وأمثال وأهازيج مسرود إلى درجة البذل في عشرات، وربما مئات المدوّنات التي ينسبها أصحابها إلى خانة الفن الروائي، ويتعلق الثاني، بغرور الكتاب المبتدئين المختنقين بذواتهم الفردية والجمعية إلى درجة الانتفاخ التي تجعلهم يكفّون عن رؤية أي شيء خارج موضوع انتفاخهم، وكأنّه موضوع عجيب مجهول، وعليهم أن يطلعوا الآخرين، بمن في ذلك أبناء المناطق المجاورة على ذلك المجهول، بوصفه مادّة نفيسة لابد من إخراجها إلى العلن. لقد أُثقلت المكتبة العربية بأعمال سردية هزيلة من الناحية الفنية، وسميكة من ناحية الحجم، وكأنّ أصحابها يمدّون البشرية بمعارف ثمينة جداً عن بيئاتهم المحلية، مع الانتباه إلى أنّ أبناء المدن الصغيرة، وخصوصاً تلك التي لم تستكمل قطع صلاتها مع أصولها الريفية، هم الأكثر إسرافاً وإقبالاً على زخم المكتبة العربية بما يشبه الموسوعات الخاصة بمناطقهم المحلية الضيّقة.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed