آخر تحديث: 2020-02-28 02:34:31
شريط الأخبار

هوامش

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تسحب الطفلة الموهوبة بالرّسم، ورقةً بيضاء على عجَل، وترسم خطَّيْن متعاكسَيْن بقلم الحبر الجاف، ثمّ تقف أمامي وعيناها في عينيّ، تسأل: -جميل؟! وقبل أن أتفوّه بكلمة تقرأ أساريري المبتهجة فتقول: -كلَّما رسمْتُ شيئاً قلتِ إنّها لوحة بديعة لم ترَيْ لها مثيلاً من قبل!
أسقطتني الصّغيرة في اختبارٍ مباغِت، لم أحسب أنّها قادرةٌ على ترتيبه بهذه البراعة وهي لم تتمَّ الخامسة بعد! وبلحظات استردَدْتُ روعي لأقنعها بأنّ إعجابي بلمَسَاتها وألوانها وخطوطها السّاحرة هو إعجابٌ حقيقيّ وليس مديحاً ميكانيكيّاً، تشكِّكُ فيه وأرادت أن توقفَني عن تكراره كَذِباً ومجامَلة! أشَرْتُ إلى إحدى لوحاتها المؤطَّرة، المعلّقة على الجدار: -لولا جمال لاعبة الجمباز هذه، كان والدك زيّن بها الجدار ووضعها بين لوحات الفنّانين الكبار؟ مزّقَتْ الورقة وهي تنصرف من أمامي، ولكن ليس من خاطري! لقد لقّنتْني درساً سأعجز عن نقل فحواه العميق إلى وعيها، فما من مبدعٍ مهما بلغَت به العبقريّة قادرٌ على إنتاج قمم بالمستوى نفسه، في الشّعر، ولا في الرّواية، ولا في النّحت ولا في المسرح ولا في الفنّ التشكيليّ، بل هناك ذروة تخلّده، وعلى سفوحها تطلع أعماله الأخرى متفاوتة الجمال والكمال، وبالتّداعي تذكّرت بعض المبدعين الذين ينضُبون كالبئر الجاف لكنّهم يواصلون المتْحَ من هذه البئر، لأنّهم غالباً لا يجدون من يوقفهم إما احتراماً لأسمائهم الكبيرة وإمّا لانعدام الجرأة ووهْمِ السّير في عكس التيّار!
هل ستفهمني الطّفلة، خارقةُ الذكاء، إذا قلتُ لها إنّ لعبةَ المجاملة أذهلتني مع كاتب شهير، نال جوائز عالميّة، وكُتِبَت فيه معلّقات ودراسات وتخصّص فيه إعلاميّون ولازمَهُ مريدون وسجّل أنفاسه ومزاجه وحركاتِه وسكَناتِه محبّون ومتطفّلون، وكنتُ قرأتُه مع ملايين القرّاء، حتّى وصلتني أعمالُه التي كتبها في موْهِن العمر، فإذ بها فارغة أكثر من نصٍّ إنشائيّ لكاتبٍ هاوٍ، وما زلتُ أرى كتّاباً وكاتباتٍ يواصلون «نشاطهم» كأنّ أنفاسهم وحروفهم درَرٌ نادرة ينتظرها المتلهّفون كي يحفظوا بريقها في المآقي، وهي لا تعدو الهوامش التي يستخدمها مدوّن وتبقى فارغة من الجدوى حتّى لو مُلِئت بالملاحظات والمفردات!
يبقى الزمان بالمرصاد، مهما ضاعت الحدود بين الإبداع والهوامش، ومهما نام المبدع على وسادة تاريخه الوثيرة، ينخل القمح ويطرح الزُّؤان، ففي الإبداع معادن وهي وحدها من ينبئ عن الفلزِّ كريماً أو متواضعاً، وفي كلتا حالتيْه يعجز عن مخادعة الزّمن كما يفعل مع البشر بأهوائهم وشطحاتهم.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

Comments are closed