أشار مقال نشره موقع «غلوبال ريسيرش» إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن مؤخراً أن بلاده لن تسدد الدفعات السنوية التي تعهدت بها سابقاً، من أجل ما تزعم أنه «إعادة إعمار سورية»، حيث قال ترامب في «تغريدة» على «تويتر» في 19 من الشهر الجاري: «إن الولايات المتحدة ستوقف هذه المدفوعات السنوية الهزيلة المقدرة بـ 230 مليون دولار لإعادة إعمار سورية، وستبدأ السعودية ودول غنية أخرى في الشرق الأوسط بالدفع بدلاً من واشنطن»، مختتماً تغريدته بالقول: «أريد تطوير الولايات المتحدة، وجيشنا، والدول التي تساعدنا!».
وكان سبق ذلك تقارير تفيد بأن السعودية خصصت مبلغ 100 مليون دولار تحت الذريعة ذاتها، من أصل 300 مليون دولار، كانت زعمت الولايات المتحدة أنها جُمعت من حلفائها في «التحالف» لهذه الغاية.
وأكد المقال أنه من حيث الظاهر، يبدو أن ترامب لا يريد الاستمرار في دفع تكاليف المخططات الأمريكية، ولكن الحقيقة هي أعمق من ذلك، حيث عملت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة على تطوير استراتيجية «القيادة من الخلف»، فتدفع شركاءها الإقليميين إلى قيادة العمليات ذات الاهتمام المشترك، بينما تمدّهم هي من وراء الكواليس بالخدمات اللوجستية والاستشارية وغيرها، وذلك بغرض أن تتبادل البلدان الأخرى عبء دعم النظام الدولي الذي لم تعد واشنطن قادرة على تحمل تكاليف قيادته المرتفعة، سواء اقتصادياً، أو عسكرياً، أو سياسياً.
ولفت المقال إلى أن إعادة واشنطن ترتيب أولوياتها العسكرية من غرب آسيا (الشرق الأوسط) إلى شرق آسيا من أجل «احتواء» الصين يمكن أن يوجد ما يسمى «فراغ القيادة»، الذي يمكن أن يملأه منافسوها الروس والإيرانيون، وأيضاً الأتراك، إذا لم تشجع الولايات المتحدة شركاءها الإقليميين مثل السعودية على أخذ مكانها هناك، ولكي نكون واضحين، فإن الولايات المتحدة لا تنسحب فعلياً من الشرق الأوسط، ولكنها تعمل فقط على تقليص دورها التقليدي هناك مستغلة «شركاءها الاستراتيجيين» لتنفيذ أجندتها، كما الحال في سورية.
وتابع المقال: لقد عملت واشنطن على رسم «خط في الرمال» في محاولة لعرقلة تحرير المنطقة الشمالية الشرقية من التنظيمات الإرهابية، وهي منطقة غنية بالمزروعات والموارد النفطية، ما يجعلها مفتاح السيطرة على بقية المناطق السورية، ويوضّح لماذا لا تفكر الولايات المتحدة بجدية في تقليص وجودها العسكري هناك، وفي الواقع، فإن دفع قوى إقليمية أخرى مثل السعودية، وحلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي، لتعميق استثمارات واشنطن في هذا الجزء من سورية ، المتزامن مع تقليص حجم استثماراتها الخاصة، هو خطة مدروسة مصممة لجعل حلفاء واشنطن أصحاب مصلحة في تمكينها من الوصول إلى مآربها الخاصة.
وأكد المقال أنه لا الإدارة الأمريكية، ولا النظام السعودي يرغبان في رؤية الدولة السورية تحرر المنطقة الشمالية الشرقية من الإرهاب، وتعيد تأكيد شرعيتها الدستورية على هذا الركن الاستراتيجي من البلاد، وباعتبار أن واشنطن قد سئمت من دفع تكاليف بقائها هناك، فقد جنّدت الرياض لتنوب عنها، وتحمّل المخاطر بدلاً منها.
وتابع المقال: يعتقد النظام السعودي أنه يمكنه الاستفادة بشكل كبير من الاستثمار في هذا الركن الغني بالموارد، ويمكن أن ينشئ وجوداً استراتيجياً، وربما عسكرياً، في نهاية المطاف، على طول الحدود الجنوبية مع تركيا كرد متناسق على قاعدة تركيا الجديدة في قطر، مضيفاً: إن المصالح الذاتية التي تقود هذه الاستراتيجية معروفة جيداً لدى صناع القرار الأمريكيين، الذين يقومون باستغلالها.
وبكلمات أخرى: تسعى واشنطن لعرقلة تحرير الشمال الشرقي، وهي تفضل تقاسم تكلفة القيام بذلك مع النظام السعودي وغيره، على مبدأ المثل القائل: «لماذا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله الآخرون من أجلك؟»، وهي تحاول أيضاً منح الرياض فرصة للاستفادة من هذا المخطط، والاستجابة في الوقت نفسه للاتفاق العسكري الذي أبرمته أنقرة مع منافستها قطر، وتالياً الحفاظ على السعودية في مجال النفوذ الأمريكي في ظل تقاربها في الآونة الأخيرة مع موسكو وبكين.

::طباعة::