يرى الإسرائيلي في التطبيع تكريساً للأمر الواقع لأنه يسعى منذ عقود ليجعل الأمر الواقع أساساً «لشرعيته» أمام المجتمع الدولي، غير أن الأمر الواقع لا يتحقق مع وجود شعب مستمر في مقاومته للاحتلال، ففعل السحق المنهجي للمقاومة هو نفسه دليل يبطل مسوغ الأمر الواقع، لكن التطبيع في نظر غير الإسرائيلي هو فرصة بعضهم يربط بها مصيره السياسي، وهي مغامرة تؤكد أن «شرعية» بعض الكيانات استنفدت أغراضها وتسعى إلى أن تستمد «الشرعية» من التمكين..
اليوم نتحدث عن مشاريع عن تمويل بعض الحكام العرب لحملة نتنياهو في الانتخابات.. عن تمديد سكة حديدية تربط بين تل أبيب وبعض العواصم العربية.. التطبيع لم يعد يقاوم الطبيعة فقط، بل أصبح استفزازاً يخرم بديهيات الموقف العربي أيضاً.. مازالت الشعوب العربية، على الرغم من كل أشكال التحكم بوعيها، ترفض التطبيع وتستنكره، وما عدا شرذمة من توافه الأمة يجاهرون بالتطبيع من دون اكتراث بمشاعر الرأي العام، فإن الأغلبية ترفضه، لكن في الوقت نفسه هناك وهم كبير يتعلق بحلم بعض الكيانات في المنطقة بأن «إسرائيل» أقوى إلى حد حماية أمنهم..
لاشك في أن بعض الكيانات ليس لها تاريخ عريق وهي في معظمها صناعة الاستعمار البريطاني، ولكنها تجهل تاريخ نشوء وانهيار الأمم.
ربط المصير بـ «إسرائيل» ليس فقط خيانة للأمة بالمعنى الأخلاقي للعبارة بل مقدمة للانقراض والسقوط، لن يكون الاحتلال الصهيوني أقوى من الاستعمار الفرنسي والبريطاني الذي استطاع أن يحتل مساحات لا تغرب عنها الشمس، ومع ذلك عملت عوامل شتى، منها المقاومة، على دحره على الأقل في شكله الكلاسيكي، هناك هدر لإمكانات هائلة تصرف في التطبيع، لأن التطبيع لا يحدده الموقف السياسي بل الموقف التاريخي لشعوب لا يمكنها القبول بالاحتلال.
التطبيع مستويات وله جيوب خفية في سياساته التي تهدف إلى الاستدراج المعنوي أكثر من الصفقات المعلنة، إن مجرد الخضوع للتفكير الصهيوني «القدري» بهذا الأمر الواقع للاحتلال هو شكل من التطبيع على مستوى الوعي، إن أوسلو مثال على التطبيع الذي تجلى في منطقة الوعي بالمصير والمستقبل..
حولت «إسرائيل» المعارك التي خاضتها مع العرب إلى متابعة معنوية على صعيد معركة الوعي ما ساهم في هزيمة العقل العربي.. وبمقدار ما تهتز هذه الصورة الوهمية المعززة للهزيمة ترتبك ساحة الاحتلال، غير أنه لا توجد متابعة لتحكيم ثقافة الهزيمة وتكريس حالة التطبيع مع أحاسيس الانتصار.. اليوم لم يعد الحديث عن توازن الرعب بقدر ما بات التطبيع يدخل من ناحية التسامح والقراءات الملتبسة لتاريخ الشرعية والوجود.. ما يصرف اليوم على تحريف التاريخ يعادل ما صرف على تبشيع المقاومة.
هناك أشكال من التطبيع تستهدف الوعي، وهي تعمل بأساليب بالغة الخبث، تستمد عنفوانها من صميم أهداف المقاومة نفسها.. السقوط في القراءات المبتسرة.. انتهاك مقدمات وبديهيات ومبرهنات المقاومة.. تكريس المفارقة والالتباس، سعى العدو الصهيوني ومازال إلى اختراق بنياتنا بما فيها العقلية، واعتمد مقدمات فاسدة من داخل رواياتنا الفاسدة، ونشر شبكاته الإعلامية واعتمد خفة الصناعة الإعلامية عندنا لتحويل المشهد إلى حلبة صراع أيديولوجي أجوف هدر كل طاقات الأمة.. استطاع العدو أن يوجه الرأي العام، بل حتى الكثير من النخب المهرولة في سباق التحليل السريع الشبيه بوجبات الـ «فاست فود» المضرة للصحة.. التطبيع الذي يتسلل من أقنية لا تأتي على البال، المعركة حين تصبح معركة وعي هي أعمق بكثير مما نتصور ومع ذلك ليس هناك ما يؤكد أن التطبيع قد يهزم الطبيعة، بل في أغلب الأحيان يغلب الطبع التطبع.

::طباعة::