الحج فريضة إلهية عند عموم المسلمين, فرضها الله على كل مسلم بالغ, وقادر على تحمل تكاليفها, بنص قرآني واضح وصريح حيث يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» .. والحج هو زيارة البيت الحرام في مكة المكرمة وأداء مناسك فريضة الحج التي تنقسم إلى أركان, وواجبات, وسنن. ومن الأركان الإحرام, والسعي بين الصفا والمروة, والوقوف بعرفة, وطواف الإفاضة. ومن الواجبات الوقوف بمزدلفة, والمبيت بمنى, ورمي الجمرات, وطواف الوداع. ومن السنن طواف القدوم, والتوجه إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة.
وتاريخياً كانت قوافل الحجاج تأتي لزيارة بيت الله الحرام بمكة المكرمة وأداء مناسك فريضة الحج كما قررها المولى عز وجل من دون عوائق وبترحاب شديد من أهل مكة ورعاية أهلها, وظل الوضع كذلك لقرون عديدة, فكل مسلم بالغ وقادر على تحمل تكاليف رحلة الحج يمكنه القيام بها, وتالياً لم تكن هناك عقبات بشرية أمام الفريضة الإلهية, وكانت في الماضي الرحلة شاقة ومهلكة لعدم توافر وسائل النقل والمواصلات وأماكن الإقامة المريحة بمكة المكرمة, ومع التطور المذهل في هذه الوسائل أصبحت الرحلة سهلة ويسيرة.
وخلال العقود الأخيرة تعاملت السعودية مع الحج بشكل استثماري فأصبحت فريضة الحج تدر دخلاً كبيراً على ميزانيتها, وأصبحنا نسمع عن السياحة الدينية واعتبار الحج نوعاً من السياحة الدينية التي تشكل مورداً رئيساً لها, وفي هذا الإطار أقامت السعودية (المديرية العامة لشؤون الحج) تحولت مع مرور الوقت إلى إدارة للحج (الإدارة العامة للحج) ثم وزارة للحج (وزارة الحج والأوقاف) ويندرج تحت مهام هذه الوزارة الكثير من العمليات المعقدة والمتشعبة, والتي تبدأ منذ لحظة تفكير الحاج في أداء النسك, وحتى عودته إلى وطنه, ويجتمع وزيرها سنويا مع نحو سبعين مسؤولاً من دول العالم المختلفة لمناقشة ترتيبات الحج.
وخلال تحول فريضة الحج إلى رحلة استثمارية على يد السعودية ووزارتها أصبحت تكاليف الرحلة تشكل عبئاً كبيراً على المسلم لكن كان هناك مبرر جاهز وهو أن هذه الفريضة الإلهية يتوق إليها كل مسلم من استطاع إليها سبيلا, وكانت السعودية تبرر هذا الارتفاع في التكاليف إلى نوعية الخدمة الفندقية والسياحية المقدمة أثناء أداء الحاج للنسك, وكنا نقول الفائدة مزدوجة تعود على خزانة السعودية من ناحية وعلى الحاج المسلم من ناحية أخرى حيث أصبحت فريضة الحج سهلة ويسيرة وتتوافر فيها كل سبل الراحة والأمن والأمان.
لكننا خلال السنوات القليلة الماضية بدأت السعودية وعبر وزارة الحج والأوقاف منع بعض المسلمين الراغبين في الحج بدعاوى مختلفة, لكن يظل الموقف السياسي للسعودية من دول هؤلاء المسلمين هو السبب الرئيس في منعهم, والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يحق للسعودية تعطيل فريضة إلهية ؟! فهناك آلاف المسلمين من الدول التي تختلف سياسة دولهم مع السعودية يُمنعون من الحج من دون ذنب, فالمسلم السوري والفلسطيني في الداخل المحتل والشتات والإيراني واليمنى والعراقي والقطري حرم من الحج, وبالطبع تسييس فريضة الحج من قبل السعودية يضعها أمام موقف حرج على المستويين الإنساني والديني.
فعلى المستوى الإنساني بدأنا نسمع الكثير من الأطروحات عن مدى أحقية السعودية في فرض سيطرتها وهيمنتها على مناطق الحج, ومنع المسلمين من ممارسة فريضة دينية, وهو ما يتعارض مع المواثيق الدولية التى أقرتها الأمم المتحدة عن حرية الدين والعقيدة, لذلك تعالت الأصوات التى تنادي بتدويل مناطق الحج وجعلها تحت سيطرة هيئة ممثلة لكل الدول التى يوجد بين سكانها مسلمون, بحيث تتولى هذه الهيئة الإشراف على مناسك الحج ويكون للعائدات المالية من فريضة الحج صندوق خاص يصرف منه على تطوير البنية الأساسية لمناطق الحج وما يتبقى يصرف على فقراء المسلمين, وقد تقدمت بعض الدول التي مُنع مواطنوها المسلمين من الحج بشكاوى للمقرر الخاص بحرية الدين والعقيدة بالأمم المتحدة.
أما على المستوى الديني فإن السعودية، ووفقا لذلك المنع، تكون قد عطلت ركناً من أركان الإسلام, وهو فريضة الحج التي قال عنها المولى عز وجل «على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» وهناك الكثير من المسلمين في هذه الدول الممنوع مواطنوها من الحج يرغبون في الحج وقادرون عليه لكنهم ممنوعون قسرياً من أداء الفريضة, وبذلك تضع السعودية نفسها بهذا المنع السياسي أمام معضلة مزدوجة إحداهما إنسانية والثانية دينية, لذلك يجب التحرك السريع لحل هذه المعضلة على مستوى الدول الإسلامية حتى لا تتفاقم في السنوات القادمة, اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

::طباعة::