سياسة الأحلاف ليست غريبة على منطقتنا، ويذكر تاريخنا أحلافاً عدوانية كثيرة لعل أشهرها «حلف بغداد» الذي أعلن عام 1955 تعبيراً عن تصاعد القلق الأمريكي من توسع نفوذ الاتحاد السوفييتي في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا.. وليكون حلقة من حلقات «الستار الحديدي» الذي بنته الرأسمالية لمنع تمدد الفكر الاشتراكي السوفييتي نحو الغرب.
لم يكن «حلف بغداد» المحاولة الأولى من نوعها، فقد سبقته «معاهدة سعد آباد» التي وقعتها إيران وتركيا والعراق وباكستان وأفغانستان عام 1937، وبدعم بريطاني أيضاً. لقد تميز الحلفان بفشلهما الذريع، وبدعم أمريكي واضح لم يرقَ إلى حد المشاركة في أي منهما.
لعل الولايات المتحدة التي أرادت الضغط على الاتحاد السوفييتي، كانت ترى في تلك الأحلاف محاولات من إمبراطوريات آفلة؛ بريطانيا وتركيا، لاستعادة بعض من نفوذها الدولي، لذلك كان دعمها للحلفين، وخاصة حلف بغداد، دعماً سياسياً فقط من خلال الضغط على دول مثل الأردن للانضمام إليه.. ولوجستياً تمثل في تقديم الأسلحة لبعض دول الحلف. لكن على الأرض لم تتدخل أمريكا عندما أُسقط النظام الملكي في العراق عام 1958، وسقط معه حليف بريطانيا الأقوى في المنطقة نوري السعيد، ووقفت أمريكا إلى جانب اليونان في نزاعها مع تركيا عندما غزت الأخيرة شمال قبرص عام 1971، ليسقط الحلف بالضربة القاضية بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
لكن سقوط حلف بغداد في شوارع عمّان ودمشق لم يكن مؤشراً إلى نهاية سياسة الأحلاف الاستعمارية، فقد حلّت الولايات المتحدة محل بريطانيا، وحاولت أن تدفع حلفاءها نحو أحلاف معلنة (الاتحاد العربي) أو سرية لكنها جميعاً باءت بالفشل.
مع انطلاق الربيع العربي، وجدت الولايات المتحدة فرصة جديدة لإعادة إحياء سياسة التحالفات في المنطقة، فكان عدوان الـ «ناتو» على ليبيا الذي شاركت فيه قطر والإمارات، وذهب ضحيته أكثر من 60 ألف ليبي، ثم كانت الحرب على سورية التي انخرط فيها حلف الـ «ناتو» وشاركته السعودية وقطر والإمارات والأردن وتركيا، وذلك تحت عنوان «التحالف الدولي ضد الإرهاب» ثم عادت الدول نفسها للتعاون ضمن ما يسمى ـ«التحالف العربي الإسلامي» لشن العدوان على اليمن.
فشلت جميع التحالفات في تحقيق أي من أهدافها، خاصة العسكرية منها، لعل أقساها الهزيمة التي تعرضت لها في سورية، وكذلك العجز أمام صمود اليمن. الأمريكيون بمخططاتهم يخرجون اليوم من سورية وهم يجرون أذيال الخيبة على وقع تصريحات وزير الدفاع الصهيوني من أن سورية ستمتلك، بعد انتهاء الحرب، جيشاً أقوى وأكبر وأكثر خبرة وأفضل تسليحاً. وعلى أبواب الحديدة تتحطم مخططات الولايات المتحدة وتقنيات أسلحتها الذكية. لقد تحولت أمريكا- ترامب إلى كيس ملاكمة يتلقى الضربات من الجميع؛ أصدقاء وخصوماً.
لكن الولايات المتحدة التي تتصف سياستها الخارجية «بالغرور»، كما وصفها أحد السفراء العراقيين السابقين في ندوة جمعتني معه، لم تتعلم الدرس وعادت للبحث عن حلف آخر، معتقدة أن بإمكانها تحقيق نصر ما، بعد هزائمها المتتالية. وكعادتها بعد كل هزيمة تصرفت كالثور الهائج محاولة إثارة الغبار لإخفاء معالم فشلها وهزيمة مشاريعها، فقامت بصناعة أزمة عالمية بإلغائها الاتفاق النووي مع إيران، واتخاذ سلسلة من العقوبات غير المسبوقة التي تهدف، حسب تصريح مستشار الأمن القومي جون بولتون، إلى تدمير الاقتصاد الإيراني. كما افتعلت أزمة أخرى مع تركيا على خلفية أزمة اعتقال قس أمريكي متهم بالتورط في الإرهاب، وأوقعت على «الدولة الحليفة» عقوبات أدت إلى أزمة اقتصادية حادة بعد تدهور سعر صرف الليرة التركية. وفي السياق نفسه أعلنت الولايات المتحدة أن الاجتماع المزمع عقده في تشرين الأول القادم بين حلفاء أمريكا في المنطقة (السعودية ومصر والأردن) والإدارة الأمريكية، سيعمل على وضع ترتيبات لتعزيز التعاون في المجالات العسكرية التي تشمل التدريب والتسليح والدعم اللوجستي والمخابراتي، وهو ما اصطلح المراقبون على تسميته «الناتو العربي».
الهدف المعلن لهذا التحالف الجديد، هو «التصدي للخطر الإيراني» وهو ما تعاملت معه إيران بالكثير من الاستخفاف، وعدّته تحالفاً وهمياً لا يغير من الواقع شيئاً. هذا الاستخفاف الإيراني له ما يبرره؛ فالدول التي يفترض أنها منضوية تحت راية هذا التحالف المزمع تشكيله، لم تتوقف عن التعاون العسكري منذ سنوات طويلة. فالـ «ناتو» يقوم بتدريبات ومناورات مع مصر وبقية الدول العربية الحليفة لأمريكا منذ عام 1980 تحت عنوان مناورات «النجم الساطع» وكذلك الأردن يقيم سنوياً مناورات لحلف الـ «ناتو» بمشاركة مصر والسعودية. وكانت بعض الأنباء قد رشحت عن تزويد العصابات المسلحة في جنوب سورية بأسلحة نوعية خرجت من مخازن الأسلحة التابعة لهذه المناورات. ما الجديد إذاً.. ولماذا إيران بالذات؟
المدقق في الواقع على الأرض، يرى أن إيران ليست سوى العنوان، لكن الحقيقة هي أن العداء موجه نحو تحالف تشكل، وقاتل، وانتصر.. وأركانه سورية وروسيا وإيران. بهذا الفهم سندرك أن «إسرائيل» ستكون في مركز هذا الحلف، لأنها الذراع الإمبريالية الأطول، والأقدر على حماية حلفاء أميركا من تدحرج كرة الثلج التي أطلقها الانتصار السوري إلى ما وراء حدود «سايكس- بيكو» شرقاً وجنوباً، لذلك فهذا الحلف ليس سوى صورة خارجية وهمية تظهر القوة، لتخفي الضعف والخوف الذي يدب في أوصال محور العدوان.
في عام 1997 أطلقت هوليوود فيلماً بعنوان «هز ذيل الكلب.. Wag The Dog» حول قيام الإدارة الأمريكية باستئجار مخرج لتزوير حرب وهمية في ألبانيا للتعتيم على فضيحة جنسية طالت الرئيس الأمريكي قبل أسبوعين من الانتخابات الرئاسية. هل كان داستن هوفمان وباري ليفنسون يستشرفان المستقبل؟.
لن نعرف إجابة هذا السؤال، لكننا نعلم تماماً أننا لو عرضنا هذه القصة على عجوز من بلادنا ستقول: ذيل الكلب طول عمره أعوج.

::طباعة::