تعدّ اللغة العربية من أقدم اللغات الحية على الأرض، ورغم خصائصها ومميزاتها التي أتقصّد سرد بعضها: مرونة الاشتقاق- الإعراب- الترادف والتضاد- سعتها، حيث إنها زاخرة بالمفردات، إلا أن الحال العربي العام، والواقع السوري الخاص جعلا مفردات اللغة بخيلة في استحضار مفردة مرادفة لـ«المؤامرة» تعبّر تعبيراً صحيحاً عن واقع الحال.
والتذكير واجب بأن مصطلح المؤامرة لاقى، ومازال، نقداً وتسخيفاً للعقل العربي من بعض النقّاد وأصحاب النظريات التي تحاكي الـ«ماورائية- غير علمية» التي حقّقها بعضهم بأكاديمية مفردات، وبعضهم الآخر بارتباطات خارجية مشبوهة، متناسين «ورود المصطلح أول مرة عام 1960 في مقالة اقتصادية غربية، وجرى تداوله في عام 1960 لتتم إضافته في عام 1997 لقاموس أكسفورد «حسب معلومات محرّك البحث غوغل»، وبلغة مبسّطة سنورد أيضاً أحد تعريفات نظرية المؤامرة الذي يقول إنها: «خطة سريّة من قبل جماعة من الناس للقيام بما هو مؤذٍ أو مخالف للقانون». لذلك، وبسعة صدر قادرة على استيعاب الرافضين لنظرية المؤامرة، كتوصيف لوقائع الأحداث العربية المرتبطة ارتباطاً جذرياً بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي.آي.إيه» والكيان الصهيوني، وبعد إعلان الاستسلام أمام قاموس المفردات العربية الذي لم يلبِّ الجواب بإسعافنا بمفردة أكثر فجوراً من مؤامرة، نقول: إن ما يحدث في المنطقة ليس إلا «بيكاراً» هندسياً يحاول رسم وتحديد مساحة مصالح القوة العظمى متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاظم شعورها «بالأنا» إلى حدّ الاستماتة لتبقى الدولة رقم واحد، ولإدراكها من خلال استخباراتها عام 1991 ازدياد القوى المؤثّرة والفاعلة بدل الدول على الساحة العالمية من (منظمات دولية غير حكومية- شركات متعددة الجنسية- الإرهاب..)، كان لابد لـ«سي.آي. إيه» من دراسة المناخ العام، وتحديد الثغرات التي من خلالها تبقى الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة، لذلك كانت حجج من مثل (الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وما يسمى «الدول المارقة») مرتكزات سياستها الخارجية، ليثور السؤال المنطقي والأكاديمي: أين يمكن أن توجد مرتكزات كهذه إذا ما كان العقل الطامح يكمن في تلافيف مخ الشيطان الأكبر أمريكا؟
إنها، وبكل بساطة، منطقة (الشرق الأوسط)، لتعمل الولايات المتحدة جاهدة بخبث تكتيكي على تحقيق طموحها بإعادة ترتيب المنطقة بناء على رؤية مرتكزاتها، فعملت على تطويع الإرهاب، وهي الرحم الخصبة التي ما شاخت بعد ولادته عام 1979 في أفغانستان، رغم الأخطار الكبيرة التي لاقتها أمريكا من الإرهاب، الذي أثبت ومازال أنه ابن ضال.
«بيكار» المصالح الأمريكية متغيّر دائماً، لكن نسبية تحصيل مساحته الهندسية على رقعة عربية دائماً قابلة للتمدّد والاتساع (نفط- ممرّات- الكيان الصهيوني- تمويل مشيخات…)، مجموعة عوامل موجودة بالتأكيد في الوطن العربي، والأهم من ذلك أن استخبارات الولايات المتحدة وشت لها بأنها منطقة مهمة لأعدائها (روسيا- الصين)، الذين باتوا ينافسونها بالحضور المؤثّر في تقدّمها الذي تحاول جاهدة الثبات باقتناص فرصه.
لتكون الخطط السرية والتكتيكات المؤذية اللاشرعية والمخالفة للقانون وللأعراف الدولية التي أوردناها سابقاً في تعريف مصطلح المؤامرة، هي التعريف الأصح للتحرّكات الأمريكية، ففيمَ الانزعاج والمبالغة إذا ما ذكرت «المؤامرة» كتحصيل حاصل لسلوكيات واشنطن وأذنابها الذين سيفاجئهم العالم باستحواذه شرعية حقوق وسيادة توقف حركة «البيكار» الأمريكي على نقطة نهاية تنفي إمكانية رسم أيّ خط لمصالحها الإمبريالية.
m.albairak@gmail.com

::طباعة::