أن تكون مؤرّخاً وفاقداً للإنصاف، فتلك مسألة تثير إشكالية العدالة التّاريخية، ومن هناك انطلق كلّ الإسفاف، أن يدخل المؤرخ إلى حرم الوثائق بهمّة وشجاعة وتجرد وذكاء يستطيع أن يقرأ ما بين السطور، التّاريخ الرسمي والتّاريخ الثوري، وبينهما التّاريخ الموضوعي الذي يقرأ هذا في ذاك ويخفف من غلواء التّعصّب.. التّاريخ الرسمي تمجيد في الحاكم ومن حوله، التاريخ الثوري تمجيد في الشعوب وما فعلت، لا الحكام معصومون ولا الشعوب معصومة، فكيف يستطيع المؤرخ أن يقف على عتبة الحقيقة في بحر مازالت أمواج حوادثه متلاطمة؟
مازالت الصناعة التّاريخية قطاعاً يهيمن عليه النّفاق، فالمنافقون يهمهم كتابة التّاريخ لأنّ التّأريخ سلطة، بينما حين لم يجد الثّوار سبيلا للتأريخ لاذوا بالأسطورة، التّأريخ هو إعادة إخراج الحدث، أي منح الزّيف صفة الوثيقة، بينما فعل الأسطرة هو الارتقاء بالحدث إلى المخيال، كان المخيال وسيلة تعزز الموقف الثوري الذي اهتدى إلى تكريس الحقيقة في المخيال وبأدوات الخيال، بينما سعى المؤرّخ لتحريف الواقع وتزوير الوثيقة.. وبين التأريخ والأسطورة قصّة أخرى.
لا أحد يستطيع القول بعد اليوم إن التاريخ هو العلم، والأسطورة هي الخرافة.. هناك مستويان في التعاطي مع حقائق الماضي، تحليل الوثيقة التاريخية وتأويل الأسطورة، وفي اعتقادي أنّه لا مناصّ من الاستناد للأسطورة في تحليل التّاريخ، فالأسطورة هي تمخيل الحقيقة التي بارزتها الصناعة التاريخية بوصفها شكلاً من أشكال تزييف الوثيقة، تفضح الأسطورة التّاريخ ليس في مناهج كشف الحقيقة بل في أنّها لا تتقيّد بحدود الوثيقة، فهي ظلّ من ظلال الحقيقة تائه في متاهة الخيال، ويمكن اصطيادها بالتأويل، بالتأويل نستطيع الوصول إلى الحقيقة مجردة من الخيال وتالياً تحويلها إلى قرينة لإعادة كتابة التّاريخ.
الخوف من الأسطورة كالخوف من الخيال هو مغالطة يستند إليها المؤرّخ المتعصّب للوثيقة، لكن الوثيقة تستند إلى انتقاء في السّماع، كما تستند إلى الإجماع، وكلاهما من صنائع السياسات، لم تكن صناعة التّاريخ هواية متاحة للمؤرّخ بل هي ولاء، كان ابن إسحاق شيخ المؤرّخين في السيرة والمغازي، لكن ذلك لم ينفعه مع المنصور، هذا الأخير الذي تواطأ مع مالك ليخرجاه من المدينة، لم يجد مالك من مسوغ للتخلص من ابن إسحاق سوى اتهامه بالأخذ بروايات اليهود الذين أسلموا تلك المعارك مثل خيبر، وكان ابن إسحاق يتتبع الوثيقة ويستفيد من كل المصادر قبل أن يكوّن رأيه فيها، لم يكن يتبنى روايتهم بل كان ينظر ويتأمّل ويخضعها للتحليل والمقارنة أو بتعبير ابن حبّان في الثّقات أنّه كان يتتبع روايتهم ليعلم لا ليحتج بها، وكلّ ما هناك هو موقفه الثّوري من الحقيقة، وأمّا مالك فلم يغفر له أنّه صنّفه من الموالي لا العرب حيث زعم أنه أصبحي من اليمن، فكان ابن إسحاق الذي كان أولى أن يقال عنه في الأنساب التي كان فيها الأعلم بلا منازع: لا يفتى وابن إسحاق في المدينة، كان يقول عن مالك إنه من موالي ذي أصبح، وكان ابن إسحاق يسخر من مالك، حتى إنه -حسب ابن حبّان- لما كتب كتاب الموطّأ قال لهم: ائتوني به فأنا بيطاره، وحين سمع مالك بذلك قال: هذا دجال يروي عن اليهود، لكن مالك حين همّ ابن إسحاق بالخروج إلى العراق أصابه شيء من تأنيب الضمير فتصالحا فودعه مالك واقتسم معه غلّته في تلك السنة وأعطاه خمسين ديناراً.
صراع النفوذ بين المؤرّخين باعتبارهم يؤدّون وظيفة، وكما يخشى أهل السلطة من التّاريخ فإنّ المؤرخ يخشى من الأسطورة لأنّها توجّه نحو التحرر من سلطة الوثيقة وتحفيز عملية التساؤل حولها، تموت الوثيقة ويبقى الخيال الذي يعيد مساءلتها ووضع فرضيات جديدة حولها، أعتقد – وهذا هو منهجي الذي أعتمده في تحليل الوقائع التّاريخية – أنّ الحرب على الأسطورة هي في الواقع حرب على الخيال، هي عودة قمعية إلى بيت الطاعة التأريخي والخضوع لسلطة الوثيقة، بينما الأسطورة ليست خرافة بل حدث منفلت من يد التأريخ، هارب من ملاحقة المؤرّخ، مختفٍ في أدغال الخيال، متنكّر في فروة الرموز والمفارقات، فيكون الموقف هو كيف نروّض أساطيرنا ونخرجها من فرو الرّجل الوحشي ومن أساليبها التّنكّرية، ومنحها الضمانات الكافية وتعزيز ثقتها بالتّاريخ، ما حرّفه التّاريخ من وقائع هو أكثر مما فعلته الأسطورة، هذا لا يعني أن التاريخ لم يستعمل هو الآخر أشكالاً من الخيال لتحريف الوثيقة لكن الفرق بينه وبين الأسطورة الخالصة أنه يحظى بسلطة التمكين ولغة الوثيقة.
تحليل التّاريخ هو شكل من تأويل الخيال، فليس المؤرخ وحده من يكتب التاريخ بل أيضاً تعدّ الذاكرة الشعبية بطقوسها وحكاياتها السوسيو- تاريخية شكلاً آخر من التّاريخ، ذاك يُكتب بمداد السّلطة وذاك يصاغ بلغة الخيال، والمؤرّخ اليوم مطالب بالإنصات للأساطير وتأويلها وتكوين فرضيات جديدة من خلالها لمساءلة الوثيقة التاريخية ونقدها، الأنثربولوجيا لا غنى عنها في إعادة قراءة التّاريخ.. لم تعد مهام الأنثربولوجيا تتسع لمسح المركز وتأويل أساطيره فحسب بل هي اليوم مطالبة بتأويل المكتوب (وليس فقط الشفهي).. هنا تكمن القيمة العلمية للخيال، ولهذا السبب يخشى المؤرّخ على مهنته من مكر الأسطورة.

::طباعة::